«قتل وردة» مع سابقية الإصرار و الترصد

منية الفرجاني
منية الفرجاني
2020/02/06 الساعة 08:44 مساءً

مشغولة هذه الايام بالنظر في قضية " قتل وردة" مع سابقية الاصرار و الترصد...أنا القاضية الوحيدة في هذه الجريمة التي وقعت في بيت والدي في الجزيرة...!
اتصلت بي امي منذ اسبوع لتعلمني أنها افاقت صباحا على منظر هز كيانها...قالت انها لم تجد النبتة المتسلّقة في مكانها..جنب شجرة الرمان! أبي اقتلعها من جذورها دون أن يستشيرها! و اعلنت امي الحرب!!
ظلت لفترة تصف لي تعلقها بتلك النبتة و كيف انتظرت نموها سنين قالت لي بالحرف الواحد: أنا اعبدها! هل تفهمين معنى أني أعبدها!؟
فهمت من خلال مكالمتها أن أبي قتل "الاهها" الصغير...و ان القيامة بدأت!
لا الوم امي ابدا على مبالغتها في التعبير عن فجيعتها...انها كائن "مشتلي!" لم أعرف أمي إلاّ مزارعة ورد ..مهربة ورد،قاطفته..مجففته،حاضنته، مخترعته..مبتكرته، مقطّرته...آكلته!
تكلّمني بالهاتف لتخبرني أنّ زهرة جديدة فتّحت اليوم..و أنّها بالأمس ـ مثلا ـ زارت جارتها القريبة و أخذت منها شتلة من وردة بريّة نادرة..و أنّها زرعتها في صحن من فخّار من أجل أن تكبر و تنمو ثم تحوّلها إلى تراب الحديقة..
اتّصلت بي ذات صباح لتقول أنّه أثناء عودتها من السّوق رأت امرأة تنظف حديقتها من الورد اليابس، رأتها تلقي ببذور الورد في الشّارع و لطالما أحبّت أمّي أن تزرع ذلك النّوع من الورد في حديقتها..وقفت أمّي تراقب تلك المرأة من بعيد و حين توارت...طارت أمّي إلى موقع الجنازة و أخذت حفنة من بذورها المتساقطة...
أخبرتني أنّها تركت لي نصيبا من كلّ لون...
لا يزعج أمّي أبدا أن تكلّف أبي اقتطاع تذكرة من جربة إلى مكان اقامتي كي يأتيني بحفنة البذور تلك!!!
حين تزورني في بيتي....تغدق عليّ حبّها...تأتي محمّلة بحقيبة صغيرة فيها قطع قليلة من لباسها المعطّر و حقيبة أخرى مليئة بما تصنعه أمومتها من بخور و بسكويت و بسيسة..
و حلوى خبّأتها لي من حفل زفاف زارته في الشّهر الماضي...
من حقيبة العجائب تُخرج أمّي كيس النّباتات التي تريدني أن ازرعها في بيتي و تعطيني تاريخ كلّ نبتة و هي تعرضها عليّ الواحدة تلو الأخرى...كما يعرض ساحر مهاراته الألف..
هذه أخذتها من أمام مركز الأمن في حومة السّوق..انظري ما أجملها! وردتها بنفسجيّة مائلة إلى الزّرقة..
..و هذه قطفتها من عند ابنة خالتك فتحيّة حين زرتها الأسبوع الماضي...تركتها في كوب ماء كي تٌخرج عروقها و أحملها إليك!! انظري ما أحلى وردتها، صفراء ذهبيّة حريريّة البتلات.....
أمّا هذه فقد رأيتها في حوض قرب مطعم السّمك في السّوق...لو تدرين كم عانيت من أجل هذه..تقول هذا و هي ممسكة بنبتة بحجم خنصرها..و تواصل:
كان صاحب المطعم يقف أمام الحوض المزروع..بقيت خلف الجدار أنتظر دخوله كي أتمكّن من قطف هذا الغصن...لقد نجحت في الحصول عليه!!!

أفهم الآن..و أفهم أبدا معنى أن تستفيق أمّي على موت احدى شجراتها وورودها الصّغيرة المدلّلة...
هي غاضبة من أبي حدّ عدم الغفران...لا تكلّمه الآن..و لا تقبل اعتذاراته..!
أخبرتني اليوم أنّها نبشت تحت تراب شجرة الرّمان.." مكان الجريمة"...قالت أنّها وجدت بعض الجذور الباقية التي تأمل أن تعود إليها الحياة و تٌخرج لها من رفاتها...نبتتها المقدّسة...!
يا حبيبتي يا أمّي...
سمعتها توصي ابنة عمّي في تونس أن تبحث لها عن النّبتة هناك...و سمعتها تطلب من زوجة أخي الجميلة أن تبحر عبر الانترنات و تخرج كلّ المعلومات اللازمة عن نبتتها المتسلّقة...علّها تكتشف موطنها الأصلي..و اسمها الحقيقيّ كي تخلقه من العدم...
يحدث أن تخلق أمّي أشياء من العدم...
فهي آلهة الورد و طقوسه....

لا تتجاوز مساحة حديقة امّي مساحة مطبخها الصّغير و رغم ذلك فهو يُشبع نهمها لكلّ ماهو جميل و مبتكر و نادر..
أهاتفها كلّ صباح كي أسأل عن أحوالها ..تقول:
أشرب الآن قهوتي و بعد قليل سأخرج إلى الحديقة لأتفقّد ورداتي و شجيراتي..
من يسمع حديث أمّي يقول أنّها صاحبة بستان! و انّ الجولة فيه تحتاج إلى صبحيّة كاملة..
و الواقع أنّ فسحة فيه لا تأخذ من الوقت سوى لمح شمس و خفق بصر...
الأصص في كلّ مكان..على كلّ لون و شكل..أواني فخّاريّة، فناجين قهوة مشقوقة..علب ياغرت..أسطل كبيرة كانت معدّة لحفظ الطلاء و الأصباغ...تفاجأت مرّة حين رأيت تحفا فنية كنت صنعتها خلال سنتي الدراسية النهائية في معهد الفنون الجميلة و حوّتها أمّي إلى أصص لأنواع من النبتات و الصبّار...!!!
حدّثتني مرّة أنّها رمت كلّ الأصص الحديديّة القديمة بعد أن أكلها الصّدأ...عوّضتها بأخرى جديدة اختارت لها طلاء يتناسب و بيت أخي الأنيق الذي كان لصيقا بحديقتها المعجزة...!
اكلّمها فأقول:
ـ أهلا..! كيف أنت حبيبتي؟
تقول:
ـأتدرين ما أنا بصدد فعله الآن؟
ـ قولي...
ـ أنا مستلقية على جنبي الأيسر أصبغ الأصص بلون بنيّ..ذهبت أمس إلى محلّ بيع مواد البناء اقتنيت ريشة كبيرة و ها أنا أصبغ بيد ,,,و أحمل الهاتف بيدي الأخرى...لو تدرين كم جميل منظرها؟؟!!!
لا ألومها...
مجنونة مثلي..تصنع عالمها بيدها..تخلق المكان و الزّمان..و تؤلّف بالألوان تفاصيل يومها
و نهارها...
في زيارتي الأخيرة للجزيرة...رأيت ما جعلني أعانقها بجنون...كدت أطير بها في سماء المكان...
دخلت..سلّمت عليها و تعانقنا...رفرف بناتي حولها و امتزجت دموعها بضحكاتنا..بخورها بلمساتنا...استقبلتني الحديقة بمعجزة أخرى من صنع يدها و خيالها!!!!!!!!
كانت أختي سنية تحتفظ في علبة كبيرة ببقايا زينة شعر ريما..تلك الورود البلاستيكية
و الدباديب الملوّنة و الشرائط المصبوغة التي كانت تزيّن دبابيس شعر الأطفال...
زارتها ذات مرّة و رأت العلبة المليئة بتلك البقايا..أخذت حفنة منها و عادت بها إلى البيت بعد أن لمعت فكرة في رأسها.....
يا مجنونة يا أمّي...
راحت تثبت تلك الورود الصّغيرة بالابرة و الخيط على الشجرات التي لا تزهر و الصبّار الذي يتأخّر في انجاب اللّون!!!
و أنا أمام الباب أسلّم عليها..
قتلني المنظر..
قفزت كأرنب و أنا أرى انجازاتها العجيبة..أسألها؟:
قولي لي..من أين لك الفكرة!؟ بالابرة و الخيط؟؟؟!!!!....تثبّتين وردة بلاستيكيّة على نبتة حقيقيّة بالابرة و الخيط؟؟؟؟؟!!! أي جنيّة أنت...توهمين الخيال...و تعجّزين الواقع...تتدخّلين في البرامج الجينيّة للنّبتة..تزيّنين عقمها...و تعقّمين القبح بالجمال....!
أيّ جنية انت؟؟؟