آخر الأخبار :

الثورة والحزب الثوري

د. أحمد قايد الصايدي
د. أحمد قايد الصايدي
2020/06/02 الساعة 12:53 صباحاً

 


ما هي الثورة، وما هو الحزب الثوري؟ إن تحديد معنى الثورة ومعنى الحزب الثوري، يمكِّننا من أن نضع لأنفسنا معايير تُسهِّل لنا فهم هذين المصطلحين، وتمكِّننا من التمييز بين الثورة وبين ما عداها، بين الحزب الثوري وبين غيره من الأحزاب التقليدية. 
هنا في الفقرتين التاليتين سأحاول، محاولة سريعة، أن أحدد خطوطاً عريضة للمعنيين: معنى الثورة، ومعنى الحزب الثوري.  

ماهي الثورة؟ 
 جرت العادة لدينا أن نُطلق على أحداث متباينة اسماً واحداً، وهو (ثورة). فالانتفاضة والانقلاب والتمرد وحركة الاحتجاج، نضعها كلها في نفس المستوى ونعطيها التصنيف ذاته والاسم نفسه، رغم تباينها، في دوافعها وأهدافها وتأثيرها ومداها. ولتحاشي هذا الخلط المعتاد، لا بد من ضبط المصطلحات وإعطاء التعريف الدقيق لكل حدث، ليسهل التفريق بين (الثورة)، بما تنطوي عليه من تغيير شامل في حياة المجتمع، وبين (انتفاضة) عابرة، تظهر ثم تخفُت وتتلاشى، و (انقلاب عسكري)، لا يحدث تغييراً سوى في أشخاص الحكام، و (تمرد) قد يكون مصحوباً بالعنف، ما يلبث أن يواجه بعنف مقابل من قبل السلطة الحاكمة، ثم ينتهي، و (حركة احتجاجية أو مطلبية)، ضد إجراءات متخذة، أو للمطالبة بحقوق معينة، تتوقف بمجرد الغاء تلك الإجراءات، أو بعضها، وتلبية تلك المطالب، أو جزء منها. 
فالحدث لا يرقى إلى مستوى الثورة، إلا إذا كان حدثاً مستمراً وتأثيره شاملاً على مختلف أوجه الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. بحيث يُحدث قطيعة مع الأوضاع السائدة، ويمثل منعطفاً تاريخياً وانتقالاً واضحاً من مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية جديدة. أما إذا انحصر تأثيره في مجرد الحصول على بعض مطالب المنتفضين أو المحتجين أو المتمردين أو في تغيير شخصيات الحكام، عبر انقلاب عسكري، دون تغيير في طبيعة الحكم والسياسة والاقتصاد وحياة الناس، فإنه لا يرقى إلى مستوى الثورة، وما تنطوي عليه من تغيير شامل.
والثورة قد تتسم بالعنف، في حال وجود سلطة حاكمة تقاوم التغيير، مقاومة عنيفة، وتستخدم وسائل القمع، التي تمتلكها، لإسكات أي صوت ينادي بالتغيير، وضرب أي محاولة تسعى إلى الإصلاح. وقد تكون ثورة سلمية، تنجز عملية التغيير دون عنف يذكر، كما حدث في ماليزيا وفي بعض البلدان الأخرى في جنوب شرق آسيا، وكذا في سلطنة عمان، التي قادت عملية التغيير فيها الطبقة الحاكمة نفسها.   
 وبطبيعة الحال فإن الانقلاب العسكري، أو حتى الانتفاضة أو التمرد، يمكن أن يتطور، فيتحول إلى ثورة، تحدث تغييراً شاملاً في المجتمع، كما حدث في بعض الانقلابات العسكرية العربية، كالانقلاب العسكري في مصر، عام 1952م، والانقلاب العسكري في اليمن، عام 1962م. فكلا الانقلابين تحولا، بعد نجاحهما، إلى ثورتين، أحدثتا تغييراً عميقاً في المجتمع وأثرتا على جميع الأحداث، التي أعقبتهما. في حين أن انقلابي 1948م و1955م في اليمن، بقيا انقلابين، أو بتعبير أدق محاولتي انقلاب، أدى فشلهما إلى انهاء أي إمكانية لتطورهما إلى ثورة، بالمعنى الذي أوضحناه. وحتى بعض الانقلابات العسكرية، التي نجحت في أقطار عربية أخرى في الاستيلاء على السلطة، فشلت في التحول إلى ثورة. أو بالأصح، لم تكن الثورة هدفها. لذا اقتصر فعلها على تغيير الشخصيات الحاكمة، دون إحداث أي تغيير في حياة المجتمع.  
 
وما هو الحزب الثوري؟
 الحزب كيان تنظيمي، يمثل مصالح طبقة أو طبقات اجتماعية معينة. وكلما اتسعت صفته التمثيلية، وعبر في فكره ورؤيته السياسية وممارسته العملية عن المصالح الوطنية العليا، كلما ارتقت صفته التمثيلية، من مجرد تمثيل طبقة محدودة، إلى تمثيل الوطن كله. وكلما كرس نضاله من أجل تغيير الواقع الراهن، إلى واقع أفضل، كلما اكتسب صفته الثورية. 
فالحزب الثوري، هو حزب يناضل من أجل تحقيق أهداف جامعة، كتحرير المواطن من كل ما يمنع تفتح طاقاته وقدراته المبدعة، ومن كل ما يعيق عملية الارتقاء بحياته المعيشية والعقلية والروحية. هو حزب يناضل من أجل إقامة دولة النظام والقانون والعدل والعلم والتنمية والخدمات الاجتماعية والشراكة الوطنية والمواطنة المتساوية، وحماية الوطن وسلامة أراضيه والدفاع عن مصالحه والتمسك باستقلال قراره السياسي. هو حزب يناضل من أجل وضع وتنفيذ برامج تنموية مدروسة، مبنية على العلم وعلى التشخيص الدقيق للواقع ومشكلاته، ويضع استراتيجيات مستقبلية، تحل محل الشعارات الفضفاضة وتهييج المشاعر وتسويق الأوهام. ومن خلال نضاله لتحقيق هذه الأهداف وغيرها من الأهداف الجامعة، وسعيه إلى تغيير الواقع الراهن في بلده إلى الأفضل، والارتقاء بالإنسان، الذي هو الغاية المثلى لأي تغيير، وهو الهدف الأسمى لنضال أي حزب ثوري، من خلال ذلك كله يكتسب الحزب صفته الثورية.
ووفقاً لهذين التعريفين، يمكننا أن نتساءل: هل لدينا نحن اليمنيين حالياً أحزاب ثورية، مؤهلة لإحداث ثورة حقيقية، أي لإحداث تغيير شامل في حياة المجتمع؟  ولا أدري لماذا ينصرف ذهني، كلما طرحت على نفسي هذا السؤال، إلى (حركة الأحرار اليمنيين)، رغم تباين الظروف، التي نعيشها اليوم، والظروف التي عاشتها تلك الحركة، وتدني الوعي في زمانها، وقلة المتعلمين وانعدام حملة الألقاب العلمية العليا، وكثرتهم في زماننا هذا. 
لقد وضعت الحركة برامجها للتعامل مع واقع ملموس ومعاش، ولم تضعها لمعالجة واقع افتراضي. فعندما نقرأ أدبياتها، منذ إنشاء (حزب الأحرار) عام 1944م في عدن، أو نتصفح برامجها، ولا سيما برنامجها الذي أصدرته في عام 1956م، نشعر بأن ما صدر عنها، من كتابات وبرامج، قد فُصِّل لمعالجة مشكلات في الواقع اليمني، الذي كان قادة الأحرار يعرفونه ويفهمونه، أكثر مما يعرفه بعض قادة الأحزاب الحديثة. كان أولئك تربطهم علاقات بسيطة وحميمة مع محيطهم الإنساني وهمومه، مع المواطن اليمني ومع مدن اليمن وقراه ومختلف شرائحه الاجتماعية، ويعرفون عن تاريخه وجغرافيته الطبيعية وخارطته البشرية وبنيته الاجتماعية ومشكلاته الحقيقية، أكثر مما تعرفه الأحزاب السياسية اليمنية الحديثة، التي ناضل معظمها ويناضل في واقع افتراضي، لا واقعاً حقيقياً. في واقع يمكن أن يكون واقعاً مصرياً أو سورياً أو عراقياً أو حتى صينياً أو روسياً أو كوبياً...إلخ، لكنه ليس هو الواقع اليمني. أحزاب تبدو وكأنها تعيش في غربة عن اليمن، وليست بعضاً من مكوناته، في غربة عن المجتمع اليمني، وليست جزءاً من نسيجه. ولا أتحدث هنا عن الأفراد، من أعضاء الأحزاب أو من قياداتها، بل أتحدث عن الحزب، ككيان سياسي متكامل، فكراً وتنظيماً وبرامجاً وممارسةً عملية. 
 ترى هل تكمن بعض علاَّتنا وخيباتنا والكوارث التي تلاحقت علينا، هل تكمن _ بعضٌ منها وليس جميعها _ في طبيعة أحزابنا السياسية:  فكرها، برامجها، ممارساتها العملية، غربتها عن الواقع اليمني، وجهلها لمشكلاته الحقيقية وتهويمها في فضاءات افتراضية؟ ربما. ألا تذهب بنا مواقف الأحزاب وممارساتها اليومية، على مدى عقود من الزمن، وطوال سنوات الحرب الراهنة، ألا تذهب بنا إلى هذا الاعتقاد؟ ألا تتسم مواقفها وممارساتها بالارتباك والعجز والتخلي عن دورها القيادي في المجتمع، والاكتفاء بدور إعلامي، أو باللهث وراء حركة الجماهير العفوية، والتهرب من تحمل مسؤولية قيادتها وتوجيهها؟ ألا يدفعنا هذا إلى أن نحلم بنشوء حركة سياسية يمنية تقدمية جديدة، وأن نبشر بها. حركة ذات طبيعة مختلفة عن طبيعة الأحزاب التي عرفناها حتى الآن. حركة نرى في فكرها وبرامجها وتنظيماتها وممارساتها، وعلاقاتها بمجتمعها، وعلاقاتها داخل تنظيماتها، ودورها القائد لحركة الجماهير، نرى في كل ذلك يمننا الجديد الذي نحلم به؟.  
قد يكون هذا حكماً خاطئاً وقاسياً على أحزابنا السياسية، وبعضها أحزاب عريقة، لها تنظيماتها الممتدة وقاعدتها الجماهيرية ودورها الإيجابي المؤثر، في مراحل تاريخية معينة. ولكنه حكمٌ يتردد على ألسنة كثير من المواطنين، بمن فيهم كثير من منتسبي الأحزاب السياسية نفسها، وبعضٌ من قياداتها. حكمٌ مبني على ما يُشاهَد، من مظاهر ترهل بنية الأحزاب التنظيمية وضبابية رؤيتها السياسية وعدم انسجام قياداتها ورخاوتها وعدم تماسكها وتآكل قاعدتها الجماهيرية ومظاهر الشيخوخة، التي أصبحت واضحة للعيان، من خلال غياب فعلها المؤثر في الداخل اليمني وعلاقاتها الملتبسة مع الخارج، ومن خلال نشاطاتها، التي أضحت نشاطات موسمية، تقتصر على الاحتفاء ببعض المناسبات السنوية، احتفاءً باهتاً، لا ينم عن حيوية، ولا يتناسب مع حجم هذه الأحزاب وتاريخها الممتد، ولا يبلغ مبلغ الآمال المعلقة عليها.
ولكن حتى لو كان هذا الحكم على أحزابنا السياسية حكماً خاطئاً وقاسياً. فإن أحداً لا يمكنه أن يثبت خطأ هذا الحكم ومجانبته للصواب، إلا الأحزاب السياسية نفسها. فهي وحدها المعنية بإثبات عدم صحته، بالفكر الواضح وبالبرامج المدروسة، ذات الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبالممارسة النضالية اليومية، وسط جماهير الشعب، وفي مقدمتها، لا وراءها. وهي وحدها المعنية بإعادة تأهيل نفسها، فكراً وتنظيماً وممارسةً، لكي تحافظ على تاريخها وجماهيرها، ولكي تثبت أنها ما تزال أداة ثورية، صالحة لبناء اليمن الجديد. فإذا عجزت عن ذلك، وعجز شبابها، الذين نراهن عليهم كثيراً، في إعادة تأهيل أحزابهم، فإن التبشير بحركة سياسية جديدة، تحل محل هذه الأحزاب وتتجاوز عيوبها، يصبح واجباً وطنياً ملحاً.