رَشْفةٌ من طقوسِ الساحرِ الأخضرِ

مبخوت العزي
مبخوت العزي
2020/06/02 الساعة 10:37 صباحاً

 

 


مما لا شك فيه ولا ريب أن كلَّ سحرٍ باطلٌ، وكلَّ ساحرٍ سيموتُ، إلا ذلك الساحرُ الأخضرُ.. عرفه الصينيون منذ آلاف السنين، وحتى اليوم ما زال حيًّا في قلوبهم وحياتهم بطقوسه وعاداته وتقاليده، وسيظل حيًّا إلى الأبد!
كتبتُ عنه مرارا، وتحدثت أكثر في مناسبات ومواقف مختلفة، ولكن يبدو لي أن رغبتي في الكتابة عنه ستظل  متجددةً كتجددِ أوراق الأشجار كل ربيع، وكرغبتي في ارتشافه كل صباح ومساء، وفي كل وقت.. ها هي لحظة من الزمن انقضت للتو، وقد كانت كافية لأخذ رشفة من هذا الكوب الذي سأحدثكم عنه كما يتحدث الأطفال عن حلوى العيد، أو كما تتحدث النساء عن متعة التسوق. 
هذا المثير للدهشة والمتعة ليس مجرد مشروب دافئ تشدك إليه من أذنيك العادةُ اليومية أو الحاجةُ الروحية أو الرغبةُ فحسب، بل هو أكثر من ذلك، أكثر من قصيدة غزلية يسكبها شاعر كـ(نزار) في قلبٍ عاشقٍ فيشتعل.. أكثر من عزف هادئ على أوتار الروح، أعجز وتعجز الحروف عن تصويره أو رسمه بالكلمات.. وكيف للكلمات أن ترسم تلك الروائح المتنوعة، والمذاقات والنكهات المتعددة، وملمس الأدوات الخاصة، وجودة مكوناتها ودقة تصاميمها، وتنوع الأدوار التي تقوم بها كل أداة، ومراسم الإعداد والتقديم، وطرائق التناول وأساليب التعبير المصاحبة؛ ماذا أقول لكم؟! عليكم فقط أن تجربوا بأنفسكم وستدركون حقيقة ما أقول..
لقد عرف الصينيون هذا النوع من السحر، هذا النبات الساحر، منذ آلاف السنين، وأصبح جزءا من حياتهم، يكرمون به ضيوفهم، ويقضون معه أجمل أوقاتهم، ويعتبرونه من أفخر الهدايا التي يمكن تقديمها في مختلف المناسبات. كما أن ملوكهم وأباطرتهم وعِلْية القوم كانت لهم عادات وطقوس تتعلق بتناوله، وقبل ذلك بإعداده وتحضيره؛ فصُمِّمَت القاعات الخاصة بتناوله، والأواني والأدوات الفاخرة. والتفَتَ لهذه الظاهرة الأدباء والفنانون، فكتبوا وألفوا حولها الكتب والقصص والروايات والأعمال الفنية المتنوعة؛ من أغانٍ ولوحات فنية ونقوش... إلخ. 
واليوم، ها هو الفلاح وهو يحمل المنجل في يده اليمنى، متوجها إلى حقله، تجده حاملا في يده اليسرى كوبا من الشاي. وذلك العامل الذي شمر ساعديه ليبدأ يوما جديدا بنشاط وحيوية لم ينس ارتشاف بضعة أكواب من شرابه المفضل، وحمل ما يكفيه طوال يومه من تلك الأوراق السحرية الخضراء، وقد عرف جيدا من أين سيحصل على الماء الساخن في اللحظة التي يحتاجه فيها. وذلك الموظف لن يستوي جالسا خلف مكتبه قبل أن يغلي إبريق الماء، ويملأ ذلك الوعاء الخزفي الأنيق، ويضعه أمامه، كأحد أجمل مقتنياته وأحبها إلى قلبه.. وللعلم، ذلك الموظف ليس مبالغا في اقتناء أغلى الماركات من ملابس وأثاث وغير ذلك، ولكنه يرى اعتزازه بذلك الكوب واقتناء أفخر أنواعه تجسيدا لاعتزازه بثقافةٍ توارثها عن آبائه وأجداده، ثقافةٍ يتدفق سحرها من جيل إلى جيل، كما يتدفق النهر الأصفر عبر الأزمنة دون توقف..
ودعونى أخبركم بهذه الحقيقة؛ إذا رأيتم البحر يطوي أمواجه ويحملها على ظهره ويغادر الشاطئ كبائع متجول، أو سمعتم أن نهر "يانغسي" أو النهر الأصفر قد قرر كل منهما أن يعود إلى منابعه ويكف عن الجريان، أو رأيتم الشمس قد توقفت فجأة، وانحرفت عن مسارها يمينا أو يسارا، فحينها فقط يمكنكم أن تتخيلوا  أمة عظيمة كالصين  قد تخلت عن تناول هذا الشاي الذي تعتبره أحد أجمل مظاهر ثقافتها وحضارتها وأحبها إلى قلوب أبنائها..
يا إلهي! لقد سقطت أنا كذلك في شباك هذا الساحر، وأصبحت أحد مريديه.. وصار لي كوب أحمله معي، وأضعه على مكتبي إن كنت في العمل، أو في حقيبتي إن كنت على سفر، وصار يشغلني البحث عن الماء الساخن هنا وهناك، حتى لا يظل ذلك الكوب فارغا.. 
........ 
 الصين 
1‪1-3‪-2‪020م