بين الفقهي والفكاهي .. معركة العلمانيين والإسلاميين في اليمن

عبدالفتاح الحكيمي
عبدالفتاح الحكيمي
2020/10/15 الساعة 09:58 مساءً

 

 

عندما وصلت سلطة الكنيسة الدينية المسيحية (الأركليس) والملكية في الغرب والشرق إلى طريق مسدود في مواجهة ثورات الشعوب على طغيانها كان يوجد ٢٤ كتاب أنجيلية مقدسة متناقضة تدعي كل فرقة وطائفة أحقية كتابها الخاص بتمثيل المسيحية.. وفقد حاخامات التوراة التحريفية سطوتهم في توحيد اليهود دينياً غالباً إلى ظهور مشروع هرتزل الصهيوني ألذي وحَّد جزءاً منهم سياسياً حول فكرة(الوطن القومي) كبديل عن الشتات الديني والدنيوي.
فقدت المسيحية أهم مرجعية موحدة لها كتاب(الإنجيل) المقدس ومعها اليهودية, وبقي الإسلام الوحيد ظاهراً في كتاب الله(القرآن الكريم) ألدليل الوحيد غير المشوه على سلامة عقيدة التوحيد وخلوها من التحريف والتزييف.
من البديهي أن يبحث المسيحيون عن عقد اجتماعي جديد(بديل) لإدارة وتنظيم شؤون حياتهم وحكمهم.
فغياب مرجعية دينية(كتابية) واحدة موحدة نقطة ضعف كبيرة لسلطتي الكنيسة والمَلَكية فقدوا معها شرعية تمثيل الدين اجتماعياً باعتبارهم (ظل الله في الأرض).. عدا بشاعة طغيان الحكم في الممارسة ومحاربة العلوم الحديثة.
على عكس المسار ظل كتاب الله القرآن الكريم محافظاً على واحديته وحجيته, فأذا خرج حكام المسلمين عليه في الغالب وطوعونه لنزوات الأستبداد والتسلط بقي كمرجعية وحجة في نفوس مجتمع المسلمين بكل طبقاتهم ضداً على كل قبح وجور وتنظيم حدود علاقاتهم الممكنة بموجبه.
إذن نشأت ما تسمى ظاهرة حاكمية العلمانية كبديل لديانات فقدت واحدية المرجع السماوي والأصول, وهو ما لا ينطبق على دين الإسلام موحد الكتاب والعقيدة, ووجود أمة غالبة فيه لا تنكره رغم كل ممارسات ظلم واضطهاد واستبداد حكام المسلمين غالباً وتخلف المجتمعات.
 وكل ما ينقص المسلمين إعادة صياغة وتقويم أسلوب حياتهم وإدارة شؤون الحكم وفق مبادئ العدالة والكرامة الإنسانية المفطور عليها بنو البشر جميعاً وحل معضلة الصراع على السلطة بعقلية متجددة نابذة للمذهبية والعنصرية وحكم الغلبة, والتوافق على تداول الحكم سلمياً وليس إعادة تكريس سلطة تحالف طغيان مؤسسة الدين والملك أو الرئيس المتغلب .. أنه حكم الشعب للشعب بمرجعياته العقيدية وليس باستغلال العقيدة لتركيع الشعب ببعضه الآخر كما هو واقع معظم الأنظمة التوريثية الثيوقراطية من مكة إلى دبي وباقي الخليج العربي , ومن السيسي إلى الخميني, والدار البيضاء إلى عصابات دمشق وصنعاء وبغداد وضاحية بيروت الجنوبية مروراً بسطوة الجماعات المسلحة التي أنتجتها الوهابية في أفغانستان والصومال وليبيا وغيرها.!!.
عندما يقول أهل الغرب أنفسهم إن العلمانية تعني (اللادينية) في الحكم وهم على علم بأنهم ليسوا على الدين المسيحي الصحيح ولا على الإنجيل يتبرع العلامنة العرب واليمنيون منهم بشطحات و(فشخات) أبعد بدعوة المجتمعات المسلمة التي لا تزال على التوحيد في غالبيتها العظمى إلى الكفر البواح بزعم شعار (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) أي إذا كانت المسيحية اليوم تبحث عن ديانتها الحقيقية المفقودة وتداري ندمها مما فاتها(ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم  كفاراً حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ...(البقرة ١٠٩) فنحن جاهزون للتخلي عن الدين والملة, وبزعم أن الإسلام القرآني برحابته أجاز لنا الكفر !!.
ما غاية الخالق سبحانه وتعالى من بعث الأنبياء والمرسلين إذا كانت خاتمة بعثاته هي الدعوة إلى الكفر والإلحاد والشرك به؟.
ويزيد بعضهم في تعامي البصيرة إن القرآن الكريم يخاطب الرسول الكريم : إنْ عليك إلّا البلاغ/لست عليهم بوكيل/ ليس عليك من حسابهم من شيء) ويستدل أحدهم مؤخراً في نسبية الإيمان والكفر وحرية الاختيار ب : فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر) وهلم جرا مما يؤكد بنظرهم تناقضات كتاب الله, حتى أنه تساوى ضمناً مع الأناجيل المحرفة.!!.
فالرسول صلوات الله عليه عند العلامنة مجرد عابر سبيل(ترانزيت جازع طريق) والتزام القرآن وشريعته عبئ على العباد فآيات القرآن عندهم تارة تدعوا إلى الإيمان وأخرى إلى الكفر.!!.

* أين الخلل إذن ؟ ؟*

أما أن عَلامِنة اليمن تعاملوا مع القرآن الكريم كتحفة فنية وإنتاج إبداعي قصصي, أو من الأساطير المليئة بالغموض والرمزية والتشويق وإثارة الخيال, أو أنهم يعتمدون في ثقافتهم القرائية على نعمة(النسخ واللصق) من قوالب نمنمات الفرانكفونجلوسكسونية وآراء خصوم الإسلام أنفسهم. 
 فَحِفْظُ الله هذا القرآن بنسخة واحدة بلا تبديل أو تحريف هو الشاهد الأكبر على زيف عقائد الأرض الأخرى جميعاً وسلامة منهج من يدعوا إليه على بصيرة.
والحقيقة أن كتاب الله لم يسلم لا من العلمانيين ونمنمات الحداثيين في رفض مرجعيته, ولا من مكونات الإسلام الحزبية(ألعصبوية السياسية) والجماعات الطائفية التي شوهت مضامين حاكمية ألله والعدالة الاجتماعية بين الناس في واقع ممارساتها وصدام هذه المكونات حتى مع من يتخفى مثلها بشعارات (إقامة حاكمية الله .. والإسلام عقيدة وحكم). 

* حرية الكفر والفكر ؟*  

تنقسم معاني آيات القرآن إلى مُحكم١ ومتشابه٢ .. ألأول هو كلام الله الواضح المعنى والدلالة والحكم ولا يحتمل أكثر من معنى(منه آيات محكمات١ هن أم الكتاب), والثاني : وأخر متشابهات٢) تحتمل أكثر من معنى لا يصل إلى بعضه حدود مدارك وأفهام البشر.
قال تعالى : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أمّ الكتاب وأُخَرُ متشابهات فأما الذين في قلوبهم زَيْغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة( الكفر والشرك) وابتغاء تأويله(ابتغاء أخراج الرسالة عن مقاصدها) وما يعلم تأويله إلا الله .....( آل عمران ٧).
قال بن عباس رضي ألله عنه نزل القرآن على أربعة أوجه : وجه لا يُعفى أحد عن جهالته(وهو المحكم١) قطعي واضح الدلالة والثبوت, ووجه تعرفه العرب من لسانها(أي لغتها) .. ووجه يعرفه العلماء .. ووجه لا يعلمه إلا الله).
 والثاني٢ المتشابه الذي يحتمل أكثر من معنى ودلالة أو التباس وغموض بشري ولا يعلم مقاصده العامة أو الفقهاء على وجه القطع ..مع بقاء جوهره في علم الله وحده, وهو ما يتعمد البعض الخوض فيه بغير هدى ويتحاشى حتى مقاصد القرآن المحكمة الأصلية المفهومة للعامة والخاصة, وهي قواعد الإيمان والشرائع وأحكام العبادات والجزاءات والمواريث والأخلاق وغيرها التي لا يعفى الأمِّي والمتعلم عن فهم مقاصدها والعمل بها.

*  بين الردة والكفر * 

ألآيات القرآنية ليست شعارات أو جزراً معزولة عن بعضها بل تفسر بعضها البعض, وحرية الإيمان والكفر في القرآن لا تنطبق على المؤمن الأصلي ابتداء الذي نشأ في بيئة إيمانية, ونكوص المسلم يسمى ردة وليس(خيارات أو حرية شخصية) , فمن شاء فليكفر ليس الذي قد آمن بالله وأسلم ابتداءً بل خطاب موجه إلى غير المسلمين لأن ما يفسر معنى تلك الآية هو ..(ولا يرضى الله لعباده الكفر) .. وأبواب توبة الله ومغفرته مفتوحة للمؤمن والكافر إلا توبة الذين :(حتى حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين ماتوا وهم كفار) ويدخل في عبودية الله المسلم وغيره.
ومردود على متعلمنة اليمن المسلمين الأستدلال بقوله تعالى أيضاً : لست عليهم بمسيطر/لست عليهم بوكيل/لا إكراه في الدين/ليس عليك هداهم) وغيرها من ما يستدلون به مكايدة على الحرية الشخصية في الإعتقاد والإيمان بالله, وتجاهلوا الاستدلال بقوله تعالى : إن عليك البلاغ وعلينا الحساب.. وأن عشرات الآيات تتوعد أهل الكفر بالعذاب ومنها استدلالهم التحريفي المشوه ببعض آية وتحويله إلى شعار سياسي لتسويغ ليس فصل شريعة الدين عن الحكم وأكثر من ذلك تزيين الردة (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ويتجاهلون نص الآية الكامل  وما فيها من حكم ألله الآخروي في عقوبة الكفر: وقل جاء الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر أنا اعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها-إلى قوله تعالى : وساءت مرتفقاً( ألكهف ٢٩). 

* أزمة منهج الاستدلال*

واستدلال العلامنة بمقتطفات(حرية الكفر) المذكورة حجة مقامة على من بلغته الرسالة في عهد النبوة وعلى المكذبين أو المرتدين بعدها إلى يومنا, وليست دعوة قرآنية ورخصة مفتوحة للناس بترك إسلامهم أو جواز ذلك : ومن يَبْتَغِ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين(آل عمران ٨٥ ).
مأزق العلمانيين اليمنيين والعرب في تناقضاتهم بين شعارات الدعوة للأخذ بالأدلة المنطقية والمنهج العلمي لفهم حركية المجتمع والواقع وبين شطط إنكار ما هو معلوم ومفهوم وواضح الخطاب واللغة والألفاظ والدلالة والحكم من دين الإسلام بالضرورة واعتساف بديهيات المعاني المخالفة لمقتضى الهوى الذاتي.
والأخطر في  هؤلاء(الذين في قلوبهم زيغ) ليس أتباع ما تشابه من آيات القرآن العظيم( أِبتغاء الفتنة(الشرك/الكفر) وابتغاء تأويله) بل وأكثر من ذلك الجرأة على آيات الله المحكمات واضحة المعنى والحكم والدلالة, فلا يعفى أحد من كان عن جهالة مقاصدها وسلخها من سياقها وإحالة أحكامها العقيدية بقصد إبطال وحرف مسار عدالتها نحو قاع دعاوى سياسية نرجسية ضالة مضلة..(ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت الأرض).
نحن إذن إزاء اعتساف أبسط  قواعد أصول تفسير القرآن, وأبرزها :
١ - إن الآيات تفسر بعضها البعض ولا تقبل الانتقائية على طريقة(لا تقربوا الصلاة) ولا تجزئة المعنى وإخراجه عن سياقه الكلي لغرض تشويه مقاصد ما هو واضح اللفظ والمعنى والحكم كالشمس بالضرورة.
٢ - أن لا يتناقض تفسير الآيات المحكمات مع معانيها البديهية كما هي, لا حرف مقاصدها بالتَّأوُّل والمماحكة(الكلامجية) بإخراج الألفاظ عن مقتضى السياق وحكمة التنزيل , وأولها أن سبب نزول كتاب الله هو الدعوة إلى الإيمان وليس إلى  الكفر كما يُتَعْتِعون .. وأن حرية الكفر وأباحته(إن وجدت) مطلب غير المسلم الأصلي, على الرغم أن واجب المسلم دعوة غيره إلى ألله بالتي هي أحسن وليس تزيين الكفر وترغيب مجتمع المسلمين به كما هو حال العلامنة .. وأن الرسالة كافة للناس ورحمة للعالمين من آمن منهم ومن كفر.
٣ - جهالة استنباط أحكام القرآن الكريم والاستدلال بالآيات عبر قاعدة فهم مراد النص وحكمه وذلك بقراءة ما قبل الآية وما بعدها لتكتمل صورة المعنى النهائي الموافق لمقاصد التنزيل.. مثال ذلك استدلال أصحاب الحق الإلهي في صنعاء بأن أهل البيت المذكورين في القرآن الكريم هم نسل علي وفاطمة والحسن والحسن فيما الآية السابقة لذلك تحصر آل البيت بزوجات النبي فقط لا غير, حيث ترد الآيات بالنص هكذا في سورة الأحزاب : يا نساء النبي(وليس يا أقارب النبي) لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تَخْضَعْنَ بالقول فَيَطْمَعُ الذي في قلبه مرضٌ وقلن قولًا معروفاً(٣٢) وَقَرن في بيوتكن ولا تَبَرَّجْن تبرج الجاهلية الأولى) إلى قوله تعالى: إنما يريد ألله ليذهب عنكم الرجس أَهلَ البيتِ ويطهركم تطهيراً(٣٣)..
هكذا يتهبش السلاليون والعلامنة بإخراج معاني وأحكام القرآن للافتراء على ألله  والناس أجمعين بأن ما سبق عن ذكر(أهل البيت) هو اصطفاء بيت بدر الدين وشمس الدين وغيرهم ممن  زعموا تمييزا الله  لهم عن باقي الناس !!.
وكذلك شوهوا مؤخراً في صنعاء حكم الله في ما أسموه(حق الخمس) لاحتناك أموال وثروات الدولة والناس, فيما آية الخمس في سورة الأنعام تختص بما يغنمه المسلم في قتاله مع محاربي دعوة الإسلام وليس الاستيلاء على الأموال العامة والخاصة بتزوير شرع الله ومنهاجه.
هذه الكهانة العنصرية هي ما يجدر اجتثاث بذرة سرطانها الفكري الذي يستبيح كتاب الله وحرمات أموال ودماء المسلمين وانتهاك نقاء عقيدتهم .    
٤ - حكم الناسخ والمنسوخ :
إن بعض أحكام القرآن منسوخة  أي تم رفعها وإبطالها بآيات أخرى تغير معها الحكم السابق ما عدا آيات الإيمان والتوحيد.
ولا يستدل ببقاء المنسوخات على تناقض أحكام الله بل على تطور التشريع الرباني في مراحل البعثة النبوية المكية والمدينية وتسلسل نزول   الناسخ آية قبل أو بعد أخرى.
فليس صحيحاً مثلاً أن ألله أحل شرب الخمر للمسلمين في بداية البعثة وإنما في حكم المسكوت عنه بالآية المكية بداية الدعوة(ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون سَكَرَاً ورزقاً حسناً إن في ذلك لآيةً لقومٍ يعقلون(النحل ٦٧) حكم وصفي لمسكوت عنه من باب التجاوز وليس أِباحة قطعية.
ولا يزال متعلمنوا العرب والمسلمين يستدلون بذلك على عدم حرمة شرب الخمر وقد نسخت حكم ذلك أحكام آيات متدرجة تبدأ بالتأثيم : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وأِثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو(البقرة٢١٩) .. إلى : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جُنباً إلا عابري سبيل ...(النساء٤٣) وفيها تحريم جلي لصلاة المخمور. 
وينتهي تشريع الله بتحريم الخمر النهائي في(المائدة) الآيات : يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون(٩٠)•إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون(٩١)• وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين(٩٢)• سورة المائدة.
وأعقب حكم تحريم الخمر تشريع الرسول الكريم حد جلد المجاهرين المتلبسين وتطبيقه, ليس كعقوبة لذاتها وحسب بل أبعد من ذلك هو تثبيت حكم آيات التحريم التي زعم بعض الأولين والزائغين المتأخرين علامنة أو موالعة(المشروبات الروحية) أن أمر (ألأجتناب والنهي عن شرب الخمر لا يدل على التحريم).
ومثلها آيات المواريث التي حصرت وصية التركة أولًا في الوالدين والأقربين في سورة البقرة: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين يالمعروف حقاً على المتقين ....(البقرة ١٨٠-182)وتم تعديلها في سورة النساء وتفصيلها بآيات عديدة لتشمل الأولاد(بنين وبنات) والزوجات وغيرهم والنصيب من تركات  الورث  والدين , وفَصَّلت أكثر في أحوال الوارثين وقراباتهم.. وغيرها من الأحكام مما يدل على تطور التشريع القرآني والتدرج فيه ومواكبته لتحقيق مبدأ العدالة وليس كما يزعم العلامنة في الوطن العربي واليمن فيرمون شرع ألله بالظلم بزعم أن القرآن لم يساوِ بين الذكر والأنثى في حصة المواريث, أو أن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أوقع حدّ الرجم حتى الموت على الزناة المُحْصَنين(المتزوجين) دون دليل من قرآن, وتناسوا تفويض  أرحم الراحمين لنبيه في الآية: وما كان لمؤمن أو مؤمنة إذا قضى الله ورسوله امراً(حكماً) أن يكون لهم الخِيَرَةَ من أمرهم ومن يعْصِ الله ورسوله فقد ضل ضلالًا بعيدا(الأحزاب ٣٦).
 وقوله تعالى : وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) والنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض (الأحزاب ٦) وأن المسلمين بايعوا النبي على الولاء والطاعة لله ورسوله.

* علمانية وفقه أِرهاب*

يرفض العلمانيون العرب تحكيم القرآن الكريم في شؤون ادارة الدنيا والحكم والسياسة ويبررون منطلقاتهم من قواعد واستدلالات قرآنية (لا يعترفون بحجيتها) لإثبات أن العلمانية من الإسلام وتحاشي ردود فعل الآخر وامتصاصها.. ولا علاقة لظاهرة كهذه بتبريرات العلمنة الديماغوجية(التسطيحية) لأن موضوع الصراع على السلطة بين التيارات والفرق والمذاهب الإسلامية والحكام الطغاة المستبدين أعمق من ذلك بكثير .. من عهد الخلافة الراشدة إلى اليوم .. ولا يدفع ذلك إلى التطرف العلماني المضاد واجتزاء آيات القرآن الكريم كما هو دأب جماعات الإرهاب المسلح, وإسقاط انكسارات المجتمعات المسلمة بادعاء عدم مواكبة العقيدة وشرائعها للعصر , والأنزلاق إلى متاهة حلول التخلي عنها كمخرج للخلاص من مستغليها.
ويذهب كثيرون إلى تحميل وزر ارهاصات نكوصهم الفكري إلى ظاهرة أحزاب الإسلام السياسي في اليمن والبلاد العربية وغيرها ونمو حركات وجماعات التطرف واستغلال الشعار الإسلامي لمكاسب دنيوية والاستيلاء على السلطة.
وطرح كهذا هروبي واخفاقات ذاتية في جزء منه.. ولكن بعضه الآخر ليس تلفيقات من العلمانيين (على قلتهم) ويمثل رؤية وقاسماً مشتركاً لدى غالبية الشعوب العربية المسلمة بوجه خاص في الموقف العام من الطبيعة العصبوية لمسلكية الإسلاميين عند مشاركتهم في السلطة ناهيكم حال الانفراد بها, ما عدا استثناءات مقبولة لا يقاس عليها كما هم إخوان تونس أو مصر التي أطيح فيها  بالرئيس المنتخب محمد مرسي بمؤامرة عسكرية دولية لا تمكن من تقييم الإخوان ضداً عليهم, فيما تجربة حزب الإصلاح اليمني عندنا في محاصصة بعد ثورة فبراير لا تسر عدواً ولا صديقاً .. ولا يزال السلفيون(الحزبيون) في اليمن أمثال(الرشاد والنهضة) والجمعيات السلفية غير المدخلية, مثل الحكمة والإحسان والبر والتقوى وجماعة الحجوري في مرحلة(طاعة ولي الأمر) حتى اللحظة, ومحمد الإمام رِجْل في صنعاء وأخرى مُعَلَّقَة!!.
أما قطاع المداخلة والوهابية الجامية النجدية الذين يمثلهم هاني بن بريك وأحمد بامعلم وعبدالرحمن الشيخ وغيرهم وبعض قادة ألوية العمالقة المناطقيين(سلفية الحبة السوداء) فلا يزالون بنادق للإيجار مع مشاريع حاكمية دولة الدفع المسبق.   
والحل من وجهة نظري هو ترشيد وإعادة صياغة قواعد الحياة السياسية والدينية ووسائل الوصول إلى السلطة والحكم وصناعة القرار وإعادة الإعتبار لتشريعات حقوق المواطنة المتساوية في الممارسة الحقيقية وليس في الأدبيات والتنظير فقط.
فظاهرة انتهازية الأحزاب الإسلامية هي حقيقة ساطعة واقعة, رديفة لظاهرة استيلاء العسكر والمتغلبين على السلطة وأصحاب الشرعية الثورية والحق الإلهي والأِصطفاء ومزايا العمالة للقوى الكبرى.

* إسلاميون وعَلامِنَة إلى أين ؟*

تبدو بعض الأحزاب الإسلامية في اليمن مثل حزب الإصلاح  منسجمة نظرياً مع العقيدة الدينية في أدبياتها السياسية .. لكن أسوأ ما في مسلكيات الأحزاب والجماعات والطوائف  المتأسلمة هي تقديم الولاء للتنظيم على عبودية رب العالمين وتكريس التمييز الاجتماعي(عنصرية ناعمة) في (حق الجماعة على غالبية المجموع) وتنازع التنظيمات ولاء الأفراد على حساب دولة النظام العام وقيم المواطنة الإيجابية .. ينتجون دولة الظل الحزبية الموازية الخاصة على حساب الولاء العام لدولة المجتمع الكبير.
ومشكلة الحكام العرب مع الإسلاميين وغيرهم أنهم لا أداروا البلدان بكفاءة ونزاهة طوال عقود تسلطهم المديدة غير السعيدة ولا أتاحوا لطاقات المجتمع وقدراته النهوض الخلاق, فساعدوا على تدمير الكل حتى بعد رحيلهم بانقلابات أو ثورة كما فعل علي عبدالله صالح وورثته ومعمر القذافي وعصبته, وكما يفعل سعادة بشار الأسد وحاكم الضاحية الجنوبية وسواهم . 
وبالتظافر مع تغييب قواعد التداول السلمي للسلطة والغاء مبدأ ارادة تمثيل الشعب في الحكم وصناعة القرار وتشويه ذلك بانتخابات صورية غير عادلة لتدوير الاستبداد تظل شكوى العلامنة من شريعة أرحم الراحمين هروباً إلى الأمام  وتكريس سطوة سلطة طغيان المستبدين وليس بحثاً عن عدالة لا في الأرض ولا من السماء. 
أما مواجهة ظاهرة انتهازية الأحزاب والجماعات الإسلامية كما يراها أحد دعاة العلمانية الحضارية في اليمن هو اختصار قول الله تعالى : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) .. دعوة إلى الأصطفاف يوظف فيها العلامنة الدين ويلوون عنق شرع الله كما يفعل خصومهم.
إذن أولًا : كيف يستدل العلامنة بنصوص القرآن الكريم الذي يرفضون مرجعيته التشريعية للحكم ابتداءً عندما يحرضون على قتال واجتثاث الأحزاب والجماعات الدينية بزعم أن ألله أباح حتى للعلمانيين قتالهم.
وثانياً: إن شذرات الآية المبتورة(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) بعيدة كبعد المشرقين عن مراد العلامنة, إذ نزلت في قتال من يحاربون الدعوة إلى الله, ولم يحرض أرحم الراحمين في القرآن حتى على قتال الكفار أو المشركين أنفسهم كمخالفين عنوة لمجرد القتال والكراهية, فما بالنا بتحريضه على مقاتلة المؤمنين وبغيهم على بعضهم .. وإنما نزلت الآية بحكم الخاص والتحديد بوجوب قتال المسلم لمن يحاربون  بالسلاح نشر الدعوة إلى الله في أرض المسلمين, أكان من الكفار أو المشركين وحتى المحسوبين على الملة نفسها.
 هكذا يَجُزُّون أعناق نصوص القرآن دون هدى ويرمون غيرهم به .. فيما تسبق اقتباس العلامنة الأنتقائي اللفظي(المبتور) آيات عديدة تدل على خلل معرفي وتوظيف ظاهر الألفاظ الدينية بعد ذبحها بمستوى فهم أمراء داعش أو بوكو حرام وتوظيف ظاهر الكلام لاستباحة دم المخالفين .
أما خطاب الله تعالى غير ذلك تماماً  : وقاتلوا في سبيل الله(الدعوة إلى دين الله وتوحيده) الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا(تحذير من انتهاك حرمة نفس المخالف الأصلي في الاعتقاد غير المحارب للدعوة) إن ألله لا يحب المعتدين( البقرة ١٩٠ ) واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه(أخلاق المسلم في القتال) فإن قاتلوكم(عند المسجد) فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين(١٩١) فإن انتهوا(كفوا شرهم في محاربتكم في الدعوة إلى الله) فإن ألله غفور رحيم (١٩٢) ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة)) أي  حتى لا يرتد من هم معكم بتخاذلكم في قتال المعتدي على دعوة الله.(( ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان الا على الظالمين (١٩٣).
هي إذن آيات في الدفاع عن محاربي عقيدة الإسلام وليست دعوة إلى قتل مخالفي العلمانية والدواعش ولا قتل الكافر والمشرك غير المحارب للدعوة.
ولماذا يكلف العلمانيون أنفسهم مشقة الإجتهاد الفكاهي بدلًا عن الإجهاد الفقهي مع معلوم من القرآن والدين بالضرورة.
وليدخروا أنفسهم في سبيل ما يرون أنه جاهزية قتالية منهم للتضحية بالارواح (ألله أكبر) لتخليص العالم من شرور الإسلاميين .. من اليمن إلى مصر وبلاد الشام والمغرب العربي وإيران ووسط آسيا وأفريقيا.
ألا يكفي الابتلاء الفظيع المريع  الذي لحق بخصوم العلمانية على امتداد خارطة التناحر وأنهار الدماء والخراب بأفدح مما يتمنونه ؟؟.
كأن الذي يجري في اليمن بين الإصلاحيين والسلفيين والحوثيين ولا الذي يلحق بتيارات الإسلام السياسي والجهادين الشيعي والسني في سوريا, ولا ما يدور في ليبيا بين سلفية المدخليين والوهابية والجاميين النجديين.. ولا دمار وخراب العراق شيعة وسنة وغيرهم لا يشفي غليل العلمانيين أو لا يفقهون ما يدور حولهم في بلاد المسلمين, حتى اجتمعت لهم كل تعبيرات الجهالة ببديهيات الدين والدنيا.
وربما استند العلمانيون عندنا في ذلك إلى مرجعية الخروج على الحاكم الظالم في المذهب الزيدي أو منهج الحركات الثورية, رغم أن الإسلام السياسي(الحزبي) والطائفي في اليمن لم ينفرد بالحكم بل يستميت اليوم في استعادة مواطنته المسلوبة, وتأثيره على قرار سلطة الشرعية محدود للغاية, فحاله ليس أفضل من الرئيس شبه المعزول الذي يتكئ في بقايا حضوره الباهت على عكاز هؤلاء.
وأن الذين تنطبق عليهم دعوة خروج العلمانيين ضدهم هم الحوثيين وليس غيرهم ممن ستوفر علينا ضغائنهم الخاصة المعروفة مشقة الأستعانة للقضاء عليهم.

* وليس اخيراً  *

يخلط علامنة العرب واليمن بين  الموقف الحدي من الأحزاب والجماعات الدينية الإسلاموية وتطرف ممارساتها السياسية بادعاء احتكار تمثيل المسلمين وبين الدين(التوحيد-القرآن-السنة-حاكمية الله) باعتباره مرجعية القيم والمثل الإجتماعية و الانسانية العليا, فالأخير ملاذ المستضعفين في الارض (عدالة رب العباد) في حماية بعضهم من طغيان الآخر ونرجسية الذات.
يتسق رأي علامنة اليمن مع تكريس سلطة الحكم المستبد لأنه لا بديل عن ترقيعاتهم الفكرية المنسلخة عن الواقع وخصوصيته .. فيما لا يعفى الاسلامويون بوجه عام من مثالب الانتهازية السياسية والتطفل على الدين لاحتيال غايات دنيوية في الغالب تضع شعاراتهم التضليلة في خانة الانتهازية والنفاق الديني اللا أخلاقي.
ومن دون مراجعة وتقييم أطياف الصراع السياسي على السلطة في اليمن بوجه خاص لتجاربها وممارساتها المنفلتة يتساوى صاحب الزعيق الديني مع داعي نعيق العلمانية .. إذ كلاهما فعل ومعول تخريب للمجتمع والعمران بدرجات متفاوتة.