وإذا عجزنا عن البوح تنهدنا وماتت الغصة

فكرية شحرة
فكرية شحرة
2021/01/18 الساعة 08:22 مساءً

 

 

منذ وقت طويل لم أعد أجد رغبة أو وقتا لأحلام اليقظة..
أتذكر في الصغر أنها كانت حياة موازية لحياتي؛ أحلم وأنا أمشي وأنا آكل وأنا أقوم بأعمالي؛ ليس فقط في ذلك الوقت الذي خصصته لأحلام اليقظة.

 


كنت أحلم وأنا على ثقة أنها ستصبح حقيقة بصورة ما؛ سعيدة قانعة بهذه الثقة.
من أقدم القصص القصيرة التي كتبتها قصة بعنوان (أحلام يقظة) نشرت في مجلة نوافذ سنة 1996 أو 97م.
قبل فترة قرأت مقالا أن من ضمن الأمور التي تساعد على تحسين المزاج وانعاش نفسية المرء أن يستغرق في أحلام اليقظة !!

 


وذكر المقال عددا من فوائد أحلام اليقظة أعتقد أنني حصدتها كلها ولم يتبق سوى الجانب السيء لهذه العادة وأظنه مستقبل أيامي ولا ريب.
تذكرت كم كنت أسعد حين أحلم وأحقق ما أتمنى وأنا جالسة في حوش دارنا أو أقوم بغسل الصحون أو كنس حجرات البيت.
كنت أعمل كآلة مبتسمة بانتشاء لتلك الانتصارات الخيالية؛ لتلك النجاحات المبهرة في زوايا رأسي. 
تتسع ابتسامتي وتنهمر دموعي تماشيا مع أحداثي الداخلية..

 


كنت أضع خططا طويلة المدى وأتحلى بالصبر من أجل الوصول وكنت أصل وقد تأخر بي الوقت وقد بات هذا الحلم لا شيء في حسابات النجاح !!
كان ذلك منذ زمن طويل ..ألآن لم أعد أحلم في يقظتي..
صارت اليقظة كابوس لا يسمح بالحلم؛ رؤوسنا مزدحمة وقلوبنا منهكة !!
آه كم كانت رؤوسنا مرتبة في صغرنا !! تكفي للحلم والأمنيات؛ للخسائر والضحكات لا تحتكرها خيبة مدمرة. 
من المؤسف أن لا يكون للكاتب سيرة كفاح نضالية وتجارب مؤثرة سوى نضاله في حياته الشخصية وتجاربه التي أثرت في صحته وسلامته العقلية.

 


لقد قرأت سير حياة حافلة لكتاب كثيرين؛ وحين أرى حياتي أجد كل محطات نضالي شخصية تافهة وانتصاراتي حياة عادية لدى الكثير. 
من المؤسف ألا يجد المرء في سيرة حياته شيء ليدونه كمذكرات سوى هزائمه وانتصاراته النفسية !! أن تدور كتاباته حول ذاته ليصبح محور كون نفسه. 
أفكر ماذا يمكن أن يخلف شخص قضى عمره يرمم روحه من الأحزان والخيبات والانكسارات؛ ماذا يمكن أن تترك أصابعه سوى ركام من السواد على الصفحات ؟!! 
شخص يشعر أكثر مما ينبغي؛ يشعر حد التحسس والتقاط الموجعات !! 

 


وماذا وقد أصبحت حياتنا كيمنيين كلها موجعات ؟!!
حتى أحلامنا في الهجرة وتحقيق الذات ليست سوى تشرد وضياع وسراب أمنيات. 
التفكير المتوجع من كل شيء يورث آلاما للرأس لا تصدق !! طرق المسامير في جدار جمجمتك يبدو رحيما فلن تنتابك هذه الغصة الخانقة في حنجرتك؛ لقد باتت هذه الغصة نهاية متوقعة لكل أزمة تأثر تصيب الشعور. لا الشهقات تخففها ولا المسير في طريق لا ينتهي.

 


أن يحتل رأسك التفكير السوداوي لا يقل خطورة من الإصابة بمرض خبيث !!
هذا الثقل المؤلم والطرق والسحل يقود إلى الجنون أو الموت الرحيم.
من أسخف الحلول الذهاب إلى مزينة الشعر كحل أخير للتخفيف عن رأسي.
لكنني دأبت على قص شعري كل عام منذ وقت طويل..
فجأة قالت لي مصعوقة : ماذا حدث لك خلال هذا العام هل تتلقين علاجا كيميائيا ؟

 


قلت لها باسمة : لم أفكر به بعد ! هل ينفع علاجا للتفكير بحقارات الحياة وخيباتها ؟!.
قالت مصدومة : شعرك وصل إلى النصف ستكونين أول زبونة تعاني صلعا كاملا خلال عام فقط!!!
قلت لها : خبر سار هذا يعني أني سأرتاح من تبعات وجود شعر الرأس تماما.
لكن ماذا عن ضجيج التفكير داخله ؟؟
عن خيباتنا التي تبتلع رؤى أحلامنا !!

 


ماذا عن آلام أرواحنا التي لا تتعافى كلما سقطت أيام أعمارنا كالخصلات الذائبة !!
هل كنا قبل عقدين من الزمن نستخدم رؤوسنا بذات الكيفية ؟!! 
نملأها بذات الأفكار والمخاوف والقلق والحزن الذي يكبر مثلنا ؟!
كيف أعيد قلبي إلى زمن الطفولة وأقص عنه زوائد النضوج المؤلمة !!


حين كنا صغارا تملأ قلوبنا الأحلام؛ فإذا أثقلت صدورنا الآلام  ثرثرنا بالكلام 
وإذا عجزنا عن البوح تنهدنا وماتت الغصة !!