غيبوبة اختيارية

مروان الغفوري
مروان الغفوري
2021/01/21 الساعة 10:58 صباحاً

 

 

في اليمن يدخل الناس يومياً في غيبوبة تأخذ أغلب النهار، كل المساء، ونصف الليل.

في الغيبوبة الاختيارية يصبح كل شيء على ما يُرام، ويتحدث عن الناس عن احتمال نشوب حرب بين أميركا وكوريا. يبدي الغائبون الطيبون تخوفاً عميقاً حيال ذلك الأمر.

 

في اليمن هيمنت الشجرة اللعينة على أمس، وعلى كل احتمالات الغد.  فإذا دخل عشرة ملايين شخص في غيبوبة شاملة في الوقت نفسه فأنت أمام أعظم مقبرة في التاريخ، أو أطول عناية مركزة في الدنيا.

سيهدر هؤلاء الملايين العشرة في اليوم الواحد مائة مليون ساعة.

وخلال أسبوع سيداني الإهدار المليار ساعة.

مع أن بناء جسر لا يتطلب أكثر من ثمانية آلاف ساعة عمل.

وكذلك بناء مدرسة، وبناء رصيف بحري لاستقبال السفن.

في اليمن ينتظر المرء ساعات طويلة قبل أن يأتي دوره في الحصول على البنزين. غضب باهت، قليل من الغمغمة الباردة .. يمنعهم من الإحساس بالكارثة اصطحابهم للقات والسجائر والمشروبات الغازية. تصبح الطوابير مجرد صوالين مغلقة للغيبوبة. داخل ذلك الطابور، تحت سحب الدخان الأخضر، يتساءل اليمنيون في سن الشباب عن احتمال نشوب حرب بين كوريا وأميركا، وينشغل الكهول في تذكر الأيام الخوالي، حين كان احتمال نشوب حرب بين كوريا وأميركا أبعد ما يكون.

في الأسبوع الماضي صعدتُ إلى الدور الرابع في المستشفى من أجل المرور على المرضى في قسم العزل، كورونا. دخلت إلى غرفة الأطباء والتقيت الطبيبين المسؤوليين عن الوحدة، أحدهما يمني حضرمي، والآخر ألماني. ناقشت الحالات مع الطبيب الألماني، ولما جاء الدور على الطبيب اليمني استأذنني في منحه دقائق لإكمال المكالمة. قال: ما صدقت مسك الخط. بعد الانتهاء من المكالمة قال إن بلاده اسمها دوعن، وهي من أعمال حضرموت. ثمة مدرسة ثانوية في دوعن اسمها المصموم. يتوافد الناس من الجبال والوديان إلى المدرسة ظهيرة كل يوم. يفعلون ذلك منذ زمن، إذ توفر المدرسة واي فان بالمجان. يطوف الناس حول المدرسة رافعين هواتفهم إلى أعلى من رؤوسهم ويتنادون بأصوات عالية: ألوه ألوه، تسمعني. يحاولون التقاط أصوات ذويهم في بلاد الغربة. يواصلون الطواف حول المدرسة حتى يدركهم التعب، ثم يعودون إلى القرى والنجوع محملين بالشجن وبكلمات ملتبسة سمعوها من أهل الغربة، أدركوا نصفها ولم يفهموا النصف الآخر.

يمكن لحكاية جيدة عن أحوال اليمنيين أن تصنع فاجعة، أن تقدم لهم الفاجعة ليروها في طبيعتها. 

ثمة حروب متناسلة ومتداخلة، غير أن ما يفعله اليمني بنفسه وبقومه لهو أخطر من الحرب.

لا الحصار ولا الألغام، لا عبيد السوء المتكسبين من وراء تلك المأساة، سواء أكانوا دولتيين أو منظماتيين، ولا الجيوش الأجنبية ..

بل الغيبوبة الاختيارية

ذلك الفخ الموحش الذي ينصبه اليمني لنفسه كل يوم ثم يسقط فيه سعيداً ومبتسماً وهو يسأل نفسه ما إذا كان ترامب سيغادر السلطة قبل أن يشن حرباً على كوريا وإيران، ويشعره ذلك التساؤل بالقلق العميق.

م.غ.