الدين والإنسان.. مسيرة حياة

ثابت الأحمدي
ثابت الأحمدي
2021/01/21 الساعة 10:18 مساءً

 

 

بصرفِ النّظرِ عن فلسفة نُشوء الأديانِ لأول وهلة، وكيف تعاملَ معها الإنسانُ منذ اللحظة الأولى، وبصرفِ النّظر عن المفاهيم الإجرائية التي تناولها الفلاسفةُ والمفكرون عن الدين وتبلوُره، والتي ليست مقصودةً لذاتها هنا، ولا تعنينا في شيء، فالأديانُ إلى جانب كونها مرجعية روحيّة، فإنها أيضا مرجعيّة تشريعيّة لملايين البشرِ في مختلفِ أرجاءِ المعمورة، سابقًا ولاحقًا، ويصعبُ؛ بل يستحيلُ تجاوزها بأي صورةٍ من الصُّـور، وستبقى حاضرةً في تفاصيلِ الإنسانِ الخاصّة والعامة، شاء ذلك أم أبَى، بمن في ذلك الملحدون أنفسُهم في المجتمعات الدينية، اليهودية والمسيحيّة والإسلاميّة، فإنهم محكومون بقوانين وتشريعاتٍ لها ارتباطاتُها الدينية المتفاوتة، وهم كذلك واقعون في أسرِ العاداتِ والتصوراتِ الدينيّة الاجتماعيّة المرتبطةِ بالأديان، ولا يستطيعون المروقَ منها مهما حاولوا أو دعوا إلى ذلك.

 

 

الكنائسُ والمساجدُ والمعابدُ تملأ المدنَ التي تدعي أنها غير دينية.. الصُّلبان معلقةٌ في سلاسلَ على صُدور الشباب.. الكتاب المقدس في كل منزل تقريبًا، وفي كل مكتبة.. اللوحات الدينية تتصدر الواجهات.. رؤساء الدول التي تدعي أنها علمانية يقسمون اليمينَ على الكتاب المقدس. هذه في مجملها تعكس حالة من اللاوعي الديني المتشكل في الوجدان الجمعي، وفي الثقافة العامة، فقط تختلف نسبة التدين من مجتمع إلى آخر، كما تختلف أيضا في الكيفية.
الدينُ إذن ــ أي دين ــ أحدُ الموجّهات العَامة للإنسان، وراسمُ تصوراته الأوليّة عن الكونِ والحياةِ والوجود، بما في ذلك الأديانُ الأرضيّة، وجميعُها تصبغُ شخصيّات أصحابها بصبغتها الخاصّة منذ بداية وعيهم في الحياة. هذا أمرٌ واقعٌ له امتداداته التاريخية، واعتمالاته الحاليّة، وله آفاقُه المستقبليّة أيضا، حتى في المجتمعاتِ الأقل تدينًا أو الأقل ارتباطا بالأديانِ عبر تاريخها؛ علما أنه يندرُ أن نجدَ مجتمعاتٍ بلا دين، وإن كانت بلا حضَارات، بصرف النظر عن ماهية هذا الدين. كما هو الشّأن أيضا مع الفنون؛ إذ يستحيلُ أن تجدَ مجتمعًا بلا فنونٍ متوارثة. وفي فلسفات كثيرٍ من دساتيرِ الدول وقوانينها نجدُ الأديانَ أحدَ موجهاتها الرئيسية؛ بل روافدها ومنابعها. وقد قال الباحثون والمؤرخون: "لقد وُجدَت في التاريخ مدنٌ بلا قصور ولا مصانع ولا حصون، ولكن لم توجَد في التاريخِ مدنٌ بلا معابد".

 


نحنُ إذن أمامَ قوالبَ ثقافيةٍ جاهزةٍ ومتوارثةٍ بصورةٍ لا فكاك منها لدى الجميع، وعند مختلفِ شُعوب المعمورة، تحملُ من الإيجابيّات بقدر ما تنطوي عليه من السّلبيات أحيانا. واقعٌ له معطياته التاريخية المرتبطة به، وله مبرراته الخاصة، ما صحّ منها وما لم يصح، ويجب أن يتغيرَ من الآن وصاعدا؛ لئلا نستجر معنا بعضَ تهويمات الماضي وخرافاته التي تُعتبر عيبًا عصريًا وحضاريًا اليوم. نشيرُ هنا إلى الخرافةِ كمعطىً بشري التصقت بالدين حتى صارت جزءًا منه لدى البعض، وتقبلتْها الفُهُومُ بالقبول بلا تمحيص، لا لسلامتها العقلية، فأثرُ الزيفِ فيها واضحٌ، ولكن لأنها التصقت بالمقدسِ الذي لا يجوزُ المساسُ به بطبيعةِ الحال.