خدعوك فقالوا: تنهض الأمم بالعودة للتراث وإحياء الماضي

حسين الوادعي
حسين الوادعي
2021/04/09 الساعة 09:11 مساءً


................................

"التراث/الماضي أساس التطور والنهضة...ألم تعد أوروبا الى الماضي لبناء نهضتها في نهاية العصور الوسطى...ألم تبنِ نهضة اليابان على الثقافة اليابانية التقليدية.. العودة للماضي كا نت أساس هذه النهضات، ويجب ان يكون بالتالي أساس نهضتنا اليوم."
كم مرة سمعتم هذه العبارات؟
وكم مرة كان المتحدث واثقاً بنفسه ثقة عمياء صماء لكنها ليست بكماء بل عالية الصوت؟
هل فعلا كانت العودة إلى الماضي أساس النهضة الأوروبية؟
لو التقطت أبسط كتاب حول النهضة الاوربية لوجدت بكل سهولة أن ما حدث هو العكس تماما.
أصبحت النهضة الأوربية ممكنة عندما استطاع الأوروبيون التمرد على الماضي وتأسيس قطيعة معرفية وشعورية معه.
وعندما عاد الاوربيون الى التراث اليوناني في عصر النهضة (الأدب والفلسفة والرياضيات) لم يكن ذلك عودة للماضي، لأن ماضي أوربا آنذاك كان الثقافة المسيحية التي سيطرت 1500 سنه، واليونان شرقية ولم تكن اوروبية أبدا.
بدأت النهضة في إيطاليا، لكن لم يعد الايطاليون لماضيهم بل عادوا لتراث غريب عليهم هو التراث اليوناني. ولم يعودوا له لأنه تراث أو لأنه قديم بل لأنه كان أرقى منجزات العقل والعلم في ذلك الزمن.
 ثم ما لبث الأوربيون أن رفضوا التراث اليوناني نفسه رفضا لا هوادة فيه، وأسسوا لعقلانية جديدة ادت لظهور العلم والتنوير والعقلانية.
............................................................................
فإذا اتفقنا ان النهضة الاوربية قامت على التمرد على الماضي وليس على العودة اليه، فهل يمكن إنكار أن نهضة اليابان بنيت على التراث الثقافي الياباني؟
بدأت النهضة اليابانية في عصر "الميجي" الإمبراطور الإصلاحي الذي فتح ابواب اليابان على العصر الحديث. كانت الثقافة التقليدية هي "البوشيدو" وهي ثقافة اخلاقية تقليدية تقوم على مباديء الولاء والاخلاص والتفاني واتباع التقاليد. عرف ميجي أن بلاده لن تنهض إلا اذا غير هذه الثقافة. واستطاع ذلك فعلا بدعم من النخبة اليابانية وارسال البعثات الى اروروبا لتعلم احدث تطورات العلم والطب والهندسة والتعليم، وبنى المدارس الحديثة التي تقدم تعليما حديثا على النمط الغربي.
ولو كان الماضي القومي أساس نهضة اليابان فلماذا لم تحدث النهضة فيها قبل 2000 سنة مثلا ، ولم تحدث إلا بعد تعرضها لغزو وتأثير العالم الحديث؟
........................................................................................
لا زال المفكرون العرب يخلطون بين التمسك ببعض جوانب التراث "النافع" وبين أسس النهضة. فاليابان احتفظت بالعديد من جوانب ثقافتها التقليدية مثل قيم الإخلاص والولاء واحترام العائلة والكبير. لكن هذه الجوانب لم تكن أساس نهضتها ولا لعبت دورا في صعودها المعجز. جل ما في الأمر أن اليابانيين رأوا ان هذه القيم مفيدة أو "غير ضارة" فاحتفظوا بها. أما نهضتهم فبنيت على العلم والحضارة والقيم العصرية والتعليم العصري والانفتاح غير المشروط على العالم. 
تكتسب دعوات العودة الى التراث الإسلامي أو ما قبل الإسلامي حساسسية خاصة عند اولئك الذين يقصدون "الدين" عند حديثهم عن التراث. فهل سمتعم بنهضة معاصرة كان أساسها الدين؟ 
لمر تكن المسيحية اساس نهضة اوروبا ولا الكونفوشيوسية أساس نهضة اليابان ولا البوذية اساس نهضة كوريا. وحتى لو عدنا للماضي الاسلامي فمن المبالغة القول ان الدين كان أساس نهضة الفنون والعلوم والعمارة والفلسفة والطب فهذه كلها جوانب دنيوية تخضع لعوامل التفاعل الحضاري والتطور المجتمعي. وحتى لو تحدثنا عن دور العامل الديني "الجهاد" في تأسيس الامبراطورية الاسلامية فلا يمكن اغفال انه لولا التطور العسكري الكبير وتفوق السلاح عند المسلمين لما تمكن المسلمون من تكوين هذه الامبراطورية المترامية الأطراف في وقت قياسي. 
......................................................................
لكن دعوات العودة للماضي لم تعد دينية فقط، فهناك دعوات "دنيوية" كالفرعونية والفينيقية والقومية اليمنية تدعو لبناء المستقبل بالعودة إلى الماضي والتأسيس عليه. وهي دعوات لا تقل سلفية عن الدعوات الدينية. بل قد تكون اشد لاعقلانية منها لانها تريد العودة الى تراث مجهول ولغات ميته وتقاليد وشخصيات منسية لم يعد له تأثير وجداني أو نفسي داخل الناس.
......................................................................
لا أريد الاسترسال في تجارب النهضات الهندية والصينية والكورية والماليزية والسنغافورية فهي كلها تثبت أن "العصر" وليس التراث كان شرطا أساسيا لأي نهضة، وان التمسك ببعض جوانب "التراث النافع" لا ينفي أن النهضات هذ كلها قامت على العلم والتخطيط والالتحاق بالعصر دون خوف من التغريب.
العودة للتراث لن تحقق نهضة الا بنفس القدر الذي يمكن للعودة للمحراث ان تحقق ثورة زراعية، وبنفس القدر الذي يمكن للعودة للحمير والبغال ان تحقق ثورة مواصلات، او الذي يمكن لاستخدام الحمام الزاجل من تحقيق ثورة اتصالات ومعلوماتية.
...........................................

اكتوبر 2017