برقيات جنوبية

ميثاق الركابي
ميثاق الركابي
2021/04/28 الساعة 06:50 صباحاً


 
 
يؤذيني يا أمي أن أنكسر بكلمة واحدة ولهذا أحاول كل يوم أن أتدرب وأطور مهاراتي بالقسوة,فمن الصعب أن يصف الأنسان حزنه دون أن تجري دموعه ,ومن الصعب ان يمضي بنا العمر ونحن نتداول "كذبة" اسمها الأمل.
كذبة نتخيل بأن كل الآتي سيحمل تعويضا لنا ونحن نعيش بالعراق..!!
الفزع وكل الفزع أن يحزن المرء على فقد والديه فهو الأنكسار الأشد وجعا وما سواه هو تجارب يمكن تجاوزها.
ربما ستمر كل هذه الأحزان وأنا أعلم أنها ستمر لكن كم أخذت منا...؟
كم دمرت فينا من صروح وآمال...!!
يؤذيني يا أمي أن كل ما بيننا أصبح مجرد دعاء أرتله كلما أشتقت لوجهك ,يؤذيني أني بمفردي أصارع الوقت مع أفكاري ودائما أخرج بكدمات تشبه أحزان المنفيين عن أوطانهم.
يؤذيني انطفاء الشغف بروحي فهو الوجه الآخر للموت ولا علاج له ولا مفر منه .
حتى الأحلام حين تتحقق بوقت متأخر لا يمكنها أن تضيف روحا للشغف الذي تحنط .
يؤذيني يا أمي أنك في غاية البعد ورائحتك ما زالت عالقة بكل جدران البيت.
بالأمس رتبت خزانتك..أخرجت ثيابك وعطورك وحتى البخور الذي تدسينه بين الملابس وكأنها ملابس كاهنة سومرية ,
ربااااه ما أطيب رائحة ثياب الأمهات..حتى طياتها ممتلئة بالحنان والرحمة .
يؤذيني يا أمي أن بيني وبين قلبك كل مساحة الحزن هذه وأنك تنامين هناك دون أن تطمئني علي، وأن تطلع عليك مئات الصباحات ولا ترتبين خرائبي التي خلفها غيابك..!!
وهل تعلمين أنك سبب كل آهاتي..هل تعلمين لم يتبقى مني غير ظلي..!!
منهكة الروح أنا وكأني ولدت للحطام وأكون جمرا لموقد الأيام.
يؤذيني يا أمي أني لا أقوى على محاربة هذا الأكتئاب والخروج من حيز الوحدة ,رغم اني عاهدت نفسي كثيرا بأني لن أبكي هذا العام بذكرى وفاتك لكن يبدو أن عيوني تشتاق لأن تبكيكِ دوما..
ما زلت أتذكر حين كنت تفرطين بشراء الملابس لي وكل ما أحتاجه وكان دوما افراطك بالدلال ماديا وأعاتبك لماذا كل هذا تشترينه لي ..؟
تردين بكلماتك المعهودة:
(حتى لما أموت تذكريني وتتحسرين على غيابي لأن بعد موتي مراح تشوفين الدلال)
وكلام الأمهات نبوءة تتحق لا شك فيها أبدا.
مرت السنوات وكبرت وما عدت المدللة..شهور قليلة وادخل بالخامسة والأربعين ,متى وصلت هذا العمر...؟
وأصبحت كما العجائز وأن مهمتي الوحيدة هي اعطاء النصائح والمواعظ لمن هم أصغر مني..!!
يؤذيني يا أمي أن أصل لهذا العمر ويدك بعيدة عني ,فهنا بهذا الوطن السقيم بالموت المجاني نحتاج ليد تضغط علينا كل حين كي يتلاشى شعور الخوف والفزع ,بهذا الوطن نحتاج لمزيد من الأمان ولمزيد من الأفراح التي لا تجر بأذيالها المصائب..!!

٢٠٢١/٤/٢٧