آخر الأخبار :

بلاط المطار

سنيا الفرجاني
سنيا الفرجاني
2021/05/06 الساعة 07:34 صباحاً

 

 

المشي أوّل ما قام به الإنسان الأوّل على الأرض. ربّما صاحَبَ التأمّلُ  مشيته، وربّما كان الصّراخ الأمر الوحيد الذّي جعله لا يشعر بالوحدة في كلّ ذلك القفر الممتدّ إلى غموض بعيد.
ربّما بكى وهو يسير، وربّما ضحك ليقاوم الخوف من العزلة وشقائها.
وحين مشى حتما شعر بالدّفء في أوج برودة الخلاء .. والغربة .
مشى غريبا مغضوبا عليه ومنتَقَم منه، أمامه امرأة أو خلفه لا فرق بين نقاط الدائرة.
عندما كنت أمشي أشقّ المسافة بين قاعة الرحيل في مطار جربة (بعد أن ودعت ابنتي نحو تونس العاصمة ) وباب الخروج إلى مأوى السيارات ملأَتْ مسامعي أصوات طقطقة حذائي.قطعة جلديّة متقنة الصنع تقبض على قدميّ المتعبتين بإحكام وقوّة  وتحافظ على بريقها رغم طول سنوات السّير.
طرْقُ الكعب على البلاط كان قويّا ومخيفا، في مساحة كبيرة ممتدّة كنت فيها أمشي وحيدة ومشتاقة.
صوت الحذاء نبّهني للخطى، للمشي، نبّهني للبلاط.
وجدتُني فجأة أسير مطأطأة الرأس أدقّق النّظر في الأرضية الداكنة طيلة المسافة بين بابيْن متباعدين كثيرا.
قِطع البلاط المربّعة  كبيرة الحجم، تبدو من الغرانيت الثمين القويّ.
خجلت من خطواتي المزعجة وانشغلت في نفس الوقت بالخرسانة التي فتحت لي بابا ثالثا من القلق والحيرة والسؤال.
حاولت المشي ببطء متفقّدة بإمعان لون الأرضيّة .بدت لي كلّ المربّعات باهتة على درجات متفاوتة من الفسخ. بعضها طُمِسَ بريقه كلّيّا وتحوّل الأسود اللاّمع فيه إلى رماديّ فاتح كاد يُمسخ لبياض.
البعض الآخر من البلاط القريب تماما من جدران شركات السياحة  وأكشاك البريد مازال على حاله لمّاعا فاقعا حبيبات غرانيته واضحة أصليّة لا خدوش عليها ولا تشوّهات.
هل الخطوات تشويه للمسافة ؟
ربّما طالت الطريق من باب المغادرة إلى الطائرة إلى باب المغادرة نحو المأوى لكنّي على مدى المسافة كنت أتساءل في حيرة طفولية  عن عدد الأقدام التي طرقت هذا البلاط منذ تمّ طرقه على الأرض قبل سنوات قليلة .أقدام راكضة لاستقبال وأخرى خاملة بعد الوداع .أحذية فاخرة وأخرى مهترئة رثّة دامية الحكايات.
خطى مسرعة لاتشبه نقيضتها المتثاقلة تحمل على كاهلها أوزانا  من الهرب وأرطالا من الرّجوع.
لماذا طُمِستْ هويّة البلاط ؟لماذا تفاوتت درجات المحو عليها وتلبّدت حولها دوائر وخطوط وأشكال متناحرة.؟
حدّقت في كل الإتجاهات فوجدت الأمر متشابها. قلت: تلك التي وسط الممرّ لا تختلف عن التي على طوله وعرضة وجنباته،  كلّها تعرّضت   للرّفس والدّعس . وحدها تلك المحاذية للمحلات تحررت من ضربات السيقان البشرية الهزيلة والسمينة والمتورّمة والناصعة وتحرّرت من عجلات الحقائب الملوّنة .
هل خطواتي في هذا اليوم روحة وجيئة أذت البلاط؟
لكنّي لست بدينة  ولم أسرع ولم أحمل حقيبة ثقيلة.
كعب حذائي العالي الذي يصدر ضوضاء وفرقعات قد يطمس بعض اللون.
أنا مشّاءة متوحّشة.
عبثت أيضا بهذا الجليز  الفاخر عبرته مرة واثنتين  وعشرين  وأربعين مرة
أين آثار عفسي ودهسي ورفسي.
لم أنتبه إن كانت ألوان البلاط أمام قاعات الوصول أكثر تأذّيا وبهوتا  من التي أمام قاعات الرحيل؟
عندما أعود لاستقبال ريما في عودتها سأتأكد من الأمر
نزعت حذائي وأكملت المسافة حافية 
أمام الباب الآلي نظر لي عون الشرطة بحيرة قال لي :لباس مدام؟؟
قلت: ضربني الحذاء وضرب البلاط فنزعته
ابتسم وابتسمت وشعرت بخجل.
للمشي مهمّة أخرى إذا لا ننتبه إليها، هي محو الخطى ومحو ملامح الطريق.