أبعد من لحظة انتصار.. أو أقرب من انتحار

جميل مفرح
جميل مفرح
2021/07/13 الساعة 09:15 مساءً

 

 

جو داكن متلبد بمزيج متراكب من الغيوم والغبار، ومتسلح بشواظ مكسَّرةٍ من البروق والرعود والعواصف المنتظرة.. 
نعم.. هذا هو ما أعنيه وكثيراً ما أتخيل وأدعي، متبرئاً منه، أنني لا أعنيه أو أكاد أقترب من معناه.. أو أختصر كل ذلك بالادعاء حتى أمام نفسي بعدم معرفته..

جو أو واقع ملتبس بكل ما ليس واقعياً، نتدلى ونتأرجح في منتصفه مغمضي الحواس والإرادة.. أحياناً نتخيل أنه تنور أو فرن ضيق ونحن مجرد أسماك بلا حراشف أو طيور بلا ريش، تنضج بداخله كوجبة لصياد أو مجموعة صيادين جوعى.. ولا يفوتنا أحياناً أن نكون أفضل حالاً فنغدو حطباً لتلك النار أو زيتاً.. وربما ثقاباً.. ألسنةً.. أو رماداً حتى..

 أحيانا أخرى نشعر وكأننا مجموعة من الثيران الهائجة في ميدان معركة، كل ما يهمنا ويشغلنا هو نفخ النار في أوجه بعضنا وامتشاق قروننا السامة والمسننة لمثل هذا اليوم، دون حتى أن نلحظ من هدير التصفيق والهتافات أن من حولنا في المدرجات مجموعة من السخفاء المتراهنين على كل منا..

مؤلم جداً حين تدقق في الصورة وتشاهد نفسك سمكة أو عود حطب أو ثوراً هائجاً مخدوعاً ومعبأ بإرادة الموت أو القتل، حيث لا وسط بينهما.. مؤسف ومخزٍ  أيضاً أن تدرك أو حتى تتخيل أنك تساعد أحداً ما على إشعال النار وإعداد القدر الذي سيسلقك فيه وجبة للعشاء بعد الأخير وربما الإفطار قبل الأول..

مرعب حتى مشارف الإنهاك أن تستمر في التخيل حتى تصبح وكأنك عصا غليظة في معركة بدائية طويلة، تتنقل بين عشرات الأيدي والرؤوس والظهور، وأن روائح العرق والدماء قد اختلطت في طرفيك، ثم تتخيل نهاياتك بين مضبوط كأداة جريمة، وبين كونك في دور بطولي وربما هامشي من رواية مفتعلة أو مسلسل كرتوني ممل.. أو ما يكاد يشبه ذلك.

مبكٍ حد الانتحاب أن تظل منذ الوهلة الأولى وحتى اللحظة الأخيرة من التأمل، وأنت فقط تدرك وتعتقد ثم تدرك وتعود تعتقد من جديد، أنك هدف للأسهم التي تنهال من حولك وعبرك إلى الجدار الأصم الواقف أمامك ممتداً إلى السماء.. وأنت لا تنفك تبحث في أحافير وأماليس الجدار عن هدف افتراضي بديل عنك..

من كل ذلك ولأجله تجد كإنسان أنه مؤلم ومحزن ومؤسف ومرعب و....، و....، جداً جداً أن تكون يمنياً بزمن صار الانتماء إلى اليمن فيه مبعث خزي وموقد عار ومحط مذمة من كل من وما هو حولك حتى أنت.. وأن تحاول أن تبحث عن سبب آخر لتواجدك غير المرغوب في هذا المكان، سبب آخر تماماً غير الانتماء.

موحش وقاهر ومحبط ما تقوله عن نفسك وعن هذا الكائن المشوه الذي تخبئه وتحمله في كل مكان وشيء منك.. وسرعان ما تنتبه إلى أنه لا يبالي بك ولا يتردد عن أن يشوي يديك، ويكوي حنايا صدرك، ويصر على أن يحرق ويشوه ملامح انتمائك، وتفاصيل ولائك، دون مقابل مقنع أكثر من كونه وطنك...،

ليس أدنى ولا أبسط من مؤسف أن تريد أن تتوقف عن الشكوى والأسف والتوجع والهجاء والرغبة في الانتقام، فلا تستطيع أن تجبر نفسك على مثل تلك المثل، التي ازدحم الوجود اليوم بسواها، فلم يترك لها مكاناً شاغراً.. حتى أن حيزاً صغيراً كان فارغاً بداخلك، قد انشغل وامتلأ قبل لحظة فقط من بدء هذه التمتمات الضاجة جداً.

#فواصلي
#مواجع