اليمنيون والجُحود

بلال الطيب
بلال الطيب
2019/11/12 الساعة 12:53 مساءً

 

 

  يبقى الجُحود، وعدم شكر النعمة جريرة اليمنيين الكُبرى، ظلموا في لحظة إعراض أنفسهم، وقالوا: «رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا»، وقالوا - أيضاً - كما أفاد ابن جرير الطبري: «لو كان جنى جناتنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه»؛ فاستحقوا بذلك عقوبة خالقهم القائل: «فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ»، والقائل: «فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ»، والقائل: «ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ».

وكما ذمَّ الخَالق - جلَّ في علاه - طبائع اليمنيين الجاحدة، امتدح أرضهم الطيبة، وقال: «لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ وَاشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبّ غَفُورٌ»، وقال: «وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدّرْنَا فِيهَا السّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيّاماً آمِنِينَ»، وقال - أيضاً - على لسان هدهد نبي الله سليمان: «أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، إِنّي وَجَدتّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ».

اختزالٌ قرآني مَاتع، أعطانا صُورة مُوجزة عن عظمة «مملكة سبأ»، وملوكها، وكثرة خيراتها، ليتعمق المؤرخون أكثر في ذكر تفاصيلها، وأفاد أحدهم أنَّ المرأة السبئية كانت تمشي تحت الأشجار الوارفة الظلال، وعلى رأسها زنبيل، وأنَّ ذلك الزنبيل يمتلأ من الثمار المُتساقطة، وأردف آخر أنَّه لم يكن في تلك البلدة الطيبة شيء من الذباب، ولا البعوض، ولا البراغيث، ولا الهوام؛ وذلك لاعتدال الهواء، وصحة المزاج، وعناية الله ولطفه بالسكان.

انتهت بتهدم سد مأرب تلك المملكة العريقة، وحضارتها الضاربة جذورها في أعماق التاريخ والأرض، وقد ربط كثير من المُفسرين الجانب العقائدي بذلك الانهيار، وقالوا عن «السبئيين» أنَّهم لم يكونوا مُوحِدِين، رغم وضوح النص القرآني: «رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا» وقوله تعالى: «وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»، وما مُفردة «رَبَّنَا» و«الْمُؤْمِنِينَ» إلا دليل واضح على ما ذهبنا إليه، والكُفر المذكور بالآية السابقة هو الكفر بالنعمة، ولا شيء سواه.

والأكثر أهمية أنَّ السورة القرآنية التي أوردت تلك القصة سُميت باسم «سبأ»، وهي مكية التنزيل، إعجازية البيان، بدأت بقوله تعالى: «الْحَمْدُ للّهِ الّذِي لَهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الاَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ»، ثم غاصت بدقة مُذهلة في الطبائع الإنسانية المُعرضة، والجاحدة، لتتجسد الخُلاصة في قوله تعالى: «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ»، ولو أنَّ «السبئيين» شكروا النعمة منذ البداية، لزادهم الله من فضله، أليس هو القائل: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ».

غالباً ما تأتي النعمة كابتلاء رباني لاختبار الإنسان، أيشكر أم يكفر؟ ولإيضاح هذه الصورة أكثر أترككم مع ما قاله نبي الله سليمان حين وصله - قبل سبعة قرون من ذلك الانهيار - عرش الملكة بلقيس، وقبل أن تسلم معه وقومها لله رب العالمين: «هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ». 

هناك خلافات حول تاريخ انهيار سد مأرب، ويعتقد بعض المؤرخين أنَّه حدث في العام «115ق.م»، أي مع نهاية حكم «مملكة سبأ»، وهو الأرجح، فيما يرى جواد علي في كتابه «المفصل في تاريخ العرب» أنَّ الانهيار النهائي حدث عام «575م»، وأنَّه لم يكن من الممكن حينها التغلب على ذلك؛ بسبب التدهور الاقتصادي، وارتباك الأوضاع السياسية، وانتشار الثورات، وتدخل الاجانب في شؤون البلاد، لم يهتم - حينها - أحد من الحاكمين في إعادة إصلاحه، فتحولت بذلك الأراضي الخصبة الى أراض موات، غطتها الطبيعة بطبقة من الرمال والأتربة، وألبستها أكسية الصحراء الحزينة، حداداً على فراقها لذلك السد العتيد.

وتأكيداً للفرضية الأخيرة قال السيوطي في «الدر المنثور»: «لقد كان في سبأ مجلس مُشيد بالمرمر، فأتاهم ناس من النصارى، فقالوا: اشكروا الله الذي أعطاكم هذا، قالوا: ومن أعطانا؟! إنما كان لأباءنا فورثناه، فسمع ذلك ذو يزن، فعرف أنَّه سيكون لكلمتهم تلك خبر، فقال لابنه: عندما أكون في مجلس قومي فصك وجهي، ففعل ابنه ذلك، فقال الأب: لا أقيم بأرضٍ فعل هذا ابني بي، إلا من يبتاع مني مالي، فابتدره الناس فابتاعوه، فبعث الله جرذاً أعمى يقال له الخلد، فلم يزل يحفر السد...».

وهناك خلافات - أيضاً - حول «العَرِم»، وهل هو الوادي، أم الجرذ، أم السيول المُتدفقة؟ والتسمية الأخيرة هي الأرجح، ويؤكد ذلك التوصيف القرآني السابق نقله، وقول أعشى بني قيس:
وفي ذاك للمؤتسي أسوة 
ومأرب قفى عليها العَرِم
رخام بنته لهم حمير
إذا جاء ماؤهم لم يرم
فأروى الزروع وأعنابها
على سعة ماؤهم إذا قسم
فصاروا أيادي ما يقدرون 
منه على شرب طفل فطم

وبين عقوبة «سَيْلَ الْعَرِمِ» الآنية، و«مَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ» الأزلية، تبقى الأخيرة هي الأقسى، وما يزال اليمنيون بجحيمها يتلظون، وعن تمزقهم القديم قال «الطبري» في تفسيره: «فغسان لحقوا بالشام، والأنصار بيثرب، وخزاعة لحقوا بتهامة، والأزد لحقوا بعُمان»، وكانت العرب تضرب بهم المثل، فتقول: «تفرقوا أيدي سبأ، وأيادي سبأ».

وعن تمزق اليمنيين الحديث أختم فأقول: نحنُ شعبٌ منكوب، اُبتلينا بالجحود والنكران، فعاقبنا الله بالتمزق والشتات، مادياً ومعنوياً، كنا وما نزال عاطفيون بطبعنا، نتلذذ بالمعاناة حيناً، وبالشكوى والتذمر أحيين كثيرة، نُعيد مقولة أجدادنا: «رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا» بصيغ مُغايرة، لكنها تحمل نفس المدلول، وتدور في بوتقة ظلم النفس المُوجب للعقوبة، فحق فينا قول خالقنا: «وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـَكِن ظَلَمُوَاْ أَنفُسَهُمْ»، ولن نخرج من هذه الدوامة المُتجددة والمُنهكة إلا بالاعتراف بالخطأ، والتوقف عن ممارسته، وإدراك أنَّ الله لا يساعد من لا يساعد نفسه.