عشرون يوماً في سائلة صنعاء ينتظر!!

سام الغباري
سام الغباري
2019/11/29 الساعة 07:09 مساءً

 

 

1
عشرون يومًا ومحمد ناصر البخيتي في "السايلة" ينتظر مُنشقًا يُدفئ ضلاله ويؤنس وحشته، حتى كاد البرد يفتك به ، فلم يجد ! 

▪︎2
يقفز إلى باحة جامع الصالح ، يدعو ربه مثل الكاهن "قيافا" الذي شارك في قتل المسيح - وفق الرواية النصرانية - ويشق جلبابه ، يتضرع " يارب ، لا تخزنا بين المفسبكين وأمنحني منشقًا واحدًا، أؤنس به وحدتي في هذا البرد القارس"، يحثو رأسه بالتراب، يصرخ "واحد فقط يا الله" ، صقيع شتاء صنعاء يجمد شفتيه وأصابعه ، عيناه متعلقتان بمأذنة الجامع ، يتراءى له "صالح" مصلوبًا هناك، ثم يبكي !
..
▪︎3
يخرج تائهًا في ميدان السبعين ، يمضي مثل مشرد بغيض، أضواء سيارت تغزو عينيه، أبواق نافرة معترضة، شتائم ، يسمع ويرى كل شيء ولا يحفل، يهرول نحو قبر "صالح الصماد" يجثو على ركبتيه ، يشعر بإمتلاء مثانته ، يتلفت يمينًا ويسارًا ، لا أحد .. يفرغ ماءه هناك ، وأصابعه متشبثة بشاهد القبر الرخامي ، يقرأ "المؤمن العظيم - شهيد اليمن الكبير " ، يضرط ، يصدر تنهيدة مأزوم سابق ، اااااه ، ضرطة أخرى صغيرة ، يتأفف متسائلًا "هل أكلت لحم خنزير ؟" ، يراقب ظلام صنعاء الموحش ، يضم كفيه إلى ذراعيه، يرتعد .. يتمتم "منك لله يا طارق" .

▪︎4
يمضي راجلًا في شارع 45 ، يشعر بظل يلاحقه ، يدور فزعًا، يحز عينيه في الفراغ ،أدار بصره من جهة إلى جهة، لا أحد .. عاود السير ، ثم كفٌ صلبة تقبض ذراعه وصوت خشن يسأله "ما معك هنا يا ورع" ، ينتفض مفزوعًا وتفلت منه ضرطه خائفة متقطعة ، يصرخ متلعثمًا "لا شيء، فقط كنتُ ، لا أدري ، من أنت" ، يصفعه الصوت ويسأله "أنت حوثي .. صح" ، صوت أنّة مكتومة ، يصيح "أتصفعني !" ، صفعة أخرى ، يعوي "أنا محمد ال..." ركلة في منتصف البطن، يتدحرج ، يدرك متأخرًا أن أكثر من قدم شاركت في ضربه، يفقد الوعي . 

5
في عالم اللاوعي، يرى محمد البخيتي طفلًا يتذكره، إنه هو ، يرى نفسه صغيرًا يلهو في حيّ المجمع الطبي بمدينة ذمار، يستفز أقرانه بأكل مخاطه، يكوّرهن بين إصبعيه ويقذفهن إلى فم مفتوح مثل فك تمساح، يراقب تقزز الأطفال الآخرين ، ويقهقه، يبصقون عليه من بعيد ، فيكرر أكل مخاطه، ذات يوم سأله بائع الخضروات "حسين" لِمَ تفعل ذلك؟ ، أجاب بثقة : لا أحد يأكل المخاط غيري، وهذه ميزة! ، هزّ "حسين" كتفيه قائلًا : لا أحد يأكل الخرا أيضًا .

6
صفعة جديدة أعادته إلى الواقع ، تحسس بأصبعيه أنفًا تجمد الدم في فتحتيه، كانت شفته العليا متورمة ، وعينه اليسرى منتفخة بعنف، تآوه حين بدأ جسده يستجيب لنبضات الألم الذي عاوده، إحساسه مكبل القدمين إلى جذع عمود حديدي بارد ، سأل بصوتٍ واهن ضعيف: أين أنا ؟ خرج صوته متحشرجًا ، بصق لعابًا لزجًا، ليس لعابًا إنه دم ! ، أضلاعه تهشمت، دهمه ألم فظيع، كرر سؤاله : أين أنا ؟ لم يجبه شيء سوى جلبة بعيدة وأصوات رصاص متقطع ، صراخ فزع ، وفحيح أفعى يدور حول أذنيه.. غاب عن الوعي

7
هذا هو اليوم العاشر وما يزال "البخيتي" مُكبلًا" في فناء مصنع مهجور، استنفد كل قنينات الماء التي وضعها خاطفوه ، وقد بات جسده ضامرًا مثل شبح لعين، برزت عضلات فكه وقفزت عينيه من محجريهما ، يسمع أغنية بعيدة ، يكتم بقية أنفاسه محاولًا إدراك ما يدور في الخارج، إنها أغنية النشيد الوطني، وأصوات مايكرفرون يدور في شوارع صنعاء يحث الأهالي على الابلاغ الفوري عن من تبقى من الحوثيين المختبئين، تنهد بأسى متخيلًا انتفاضة الناس، جنون الأيادي تمزق مشرفي السيد في كل حيّ وشارع ، إحراق مئات العربات الخضراء، اقتحام منازل رفاقه وربط أقدامهم إلى الدراجات النارية وسلخهم أحياء أمام ملايين الثائرين. شعر بسعادة أنه مكبل هكذا بعيدًا عن أعين الغاضبين ، ثم تذكر "أنا جائع" ، وحين لم يجد شيئًا يأكله، تذكر عادته القديمة ، حشر سبابته في أنفه وأخرج مخاطًا قديمًا متحجرًا ، وابتلعه بنهم .. 
..
..
يكتب المحقق في محضر قسم الشرطة بعد 15 يومًا من العثور على البخيتي في فناء مصنع زيوت مهجور أسفل جبل نقم ، أن السبب الوحيد في بقاءه حيًا رغم مرور 25 يومًا على اختطافه وتركه بلا طعام هو المخاط ! ، يتذكر المحقق ذلك بعد عام .. ويضحك !