الأحزاب الإسلامية والقومية.. والمسئولية التاريخية

د. يحيى بن محمد الماوري
د. يحيى بن محمد الماوري
2019/12/15 الساعة 05:12 مساءً

 


لا شك أن ما يجري في الوطن العربي اليوم مسئولية كل ابنائه دون شك ،بكل شرائحه وفئاته وقواه الاجتماعية.. احزاب ومنظمات مجتمع مدني ، جماعات وافراد دون تمييز ، ولكنني أرى-وقد اكون غير مصيب -ان التيارين اﻻسﻻمي والقومي (بكل تشكيلاته) يتحمﻻن القدر اﻻكبر من المسئولية عن التداعيات الخطيرة التي يمر بها الوطن العربي اليوم سيسالهما الله عنها قبل ان يسألهما الشعب والتاريخ .. لماذا ؟
ﻻن التيار اﻻسﻻمي بجناحيه (السني والشيعي) فشل في تجاوز اسباب اﻻنقسام المذهبي التقليدية ،التي ﻻ تمت الى الدين الصحيح بصلة، وعجز عن التخلص من ثقافة الثأر واﻻنتقام السياسي، التي شغلتهما عن التفكير في تحقيق المشروع الحضاري اﻻسﻻمي، برؤية اسﻻمية موحدة، تخرج اﻻمة من محنتها التاريخية ،وتمكنها من مواجهة مخططات اعدائها، الذين يعتمدون في نجاحها على تغذية اﻻنقسام والصراع المذهبي السني الشيعي بدرجة اساسية، 
وفي الجانب اﻻخر فان التيار القومي بجناحيه (الناصري والبعثي واليسارالاشتراكي) عموما .. رغم تجاربهما السياسية ونجاحاتهما النسبية، قد اصيبا بنفس القدر من الانقسام والتشرذم ،الذي افقدهما كل مكتسباتهما الوطنية والقومية التي تحققت خﻻل القرن الماضي، وافقدهما القدرة على القيام باي دور ايجابي ،في الدفاع عن كيان اﻻمة وحماية مصالحها .
اما اخطر صور العجز والفشل التي ادت الى خلق ازمة الثقة العميقة بين التيارين ( القومي والاسلامي) من جهة، وبين الشعوب العربية والاسلامية من جهة أخرى، فتعود الى الصراع المزدوج بين التيارين القومي اﻻسﻻمي من جهة، وداخل كل تيار من جهة ثانية :السني الشيعي والناصري البعثي ،ثم ما اصاب كل جناح من انقسامات، وصراع، استغلته القوى المعادية لﻻمة أسوأ استغﻻل في تنفيذ مخططاتها لشل قدرات اﻻمة ،وتدمير وحدتها ،فاضاعت امال اﻻمة واحﻻمها في استعادة حقوقها ،وحماية كرامتها ،وبناء مستقبلها ، ولم يتنبه قادة التيارين وعقﻻئهما ،الى انهما الخاسراﻻكبر، في كل ما اصاب ويصيب اﻻمة، بسبب سيطرة فكرة الاستحواذ والاحتكار ، وعقدة الثأر واﻻنتقام السياسي ، وتعميقها من قبل كل طرف ،في فكره وثقافته السياسية ،وفي تعبئته ﻻتباعه وانصاره، فكانت النتيجة أن سقط الجميع في نفس الحفرة التي أراد كل طرف أن يوقع الآخر فيها ..
اما ثالثة الاثافي، فهي اكتشاف كل طرف ان ما كان يرفعه من شعارات ويروج له باسم المشروع الحضاري، لم يكن سوى وهم وسراب، فلا الاسلام قدم الحل وفقا لشعار:( الاسلام هو الحل ) ولا المشروع القومي استطاع أن يحمي سيادة الامة واستقلالها اويحافظ على الحد الأدنى من وحدة الكيان القومي حتى في إطار الكيانات الوطنية الهزيلة التي كانت عليها في فترة الخمسينات، والستينات، والسبعينات من القرن الماضي ،والتي تجسدت في حرب اكتوبر ١٩٧٣م واستمرت حتى مؤامرة كامب ديفيد المشئومة.
فهل من صحوة وطنية قومية اسﻻمية تعيد النظر في فكر وايديولوجية كل تيار .. ليس بعقلية القرن الرابع الهجري ، ولا بثقافة وتفكير ما قبل الحربين العالميتن الأولى والثانية من القرن الماضي ، وانما بعقلية منفتحة على القرن الواحد والعشرين قادرة على استيعاب كل متغيراته والتعامل مع أحداثه ومستجداته، رؤية مستنيرة ، لا تقطع الصلة بالماضي، ولكنها لا تعيدنا اليه بكل امراضه ومثالبه، وأنما تنتقي بوعي افضل ما تحويه التجارب النقية والمراجع الصافية المنزهة عن الخرافة وخزعبلات فقهاء الاسرائيليات ،واهم تلك المراجع التي امرنا بها الله في قوله تعالى (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [سورة اﻷنبياء : 92]
وقوله تعالى : (ُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [سورة اﻷنفال : 46] .
ان الوطن امانة في اعناقكم ايها السياسيون والحكام، واﻻمانة مسئولية جسيمة دينية ودنيوية قال تعالى : (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) [سورة اﻷحزاب : 72]
( رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) [سورة الكهف : 10]. صدق الله العظيم.