الرئيسية - أدب وثقافة - الشاعر الكبير فيصل البريهي: «المبدع اليمني يعاني من الخذلان والتهميش» .. (حوار)

الشاعر الكبير فيصل البريهي: «المبدع اليمني يعاني من الخذلان والتهميش» .. (حوار)

الساعة 08:22 مساءً (يمن دايركت- خاص)

مع بداية الألفية الثالثة ظهر بنجمه الوهاج وموهبته المتقدة التي استطاعت خلال فترة وجيزة دفعه إلى مقدمة المشهد الشعري والأدبي في اليمن. 
ومنذ صدور مجموعته الأولى (أسرار الرماد) والمتابعون له يلاحظون تطورا هائلا يحدثه هذا الشاعر – المتكئ على الأصالة – في جسد القصيدة العمودية التي يقول عنه البعض بأنه ربانها الماهر من بين كل شعراء بداية الألفينية الثالثة.
إنه الشاعر القدير ( فيصل عبد الله البريهي ) الذي كان لنا معه هذا الحوار الممتع والشيق الذي استطعنا من خلاله الإبحار معه في مختلف جوانب المشهد الثقافي اليمني مع الغوص في بعض تفاصيله الشخصية ورؤاه الذاتية التي تعكس شخصيته الفذة.
فإلى الحوار..
............................................
حاوره/ فايز محيي الدين البخاري
............................................

* بدايةً كيف تحب أن تقدم نفسك للقارئ (( نبذة تعريفية )) ؟ .

فيصل عبدالله أحمد البريهي من مواليد عام 1967م آنس ، جبل الشرق ، ذمار ، متزوج وله سبعة أبناء – ثلاثة ذكور وأربع أناث ، يعمل ضابطاً في القوات المسلحة اليمنية ، عضو اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين ، عضو مجلس أمناء بيت الشعر اليمني ، له الكثير من المشاركات الثقافية عربياً ومحلياً ، له العديد من الإصدارات الشعرية والمنشورات في الصحف والمجلات اليمنية والعربية والمواقع الإلكترونية ، ذكر في معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين ط2/ 2002م كما ذُكر في موسوعة أعلام اليمن للدكتور/عبدالولي الشميري  الطبعة الأولى .

* متى بدأت تقرظ الشعر ؟ وما هي أساسيات ثقافتك في هذا المجال ؟ .

بدأت كتابة الشعر منذ عام 1980م وأنا في الثالثة عشرة من العمر تقريباً  ، أما أساسيات ثقافتي فتتمثل في كثرة قرائتي وإقبالي على إقتناء كتب الأدب واللغة والتاريخ وهي المصدر الرئيسي في تنمية ثقافتي ومعارفي الأدبية خاصةً كتب الشعر والأدب في الصدر الإسلامي والعصر العباسي الأول والثاني كذلك الأدب الأندلسي إضافةً إلى بعض كتب الشعر الجاهلي.

إلى ذلك مُواكبتي لمعظم إنتاج العصر الحديث عبر وسائل الإعلام المتمثلة في الصحافة المقرؤة الورقية والمسموعة قبل ظهور وسائل تقنية المعلومات والصحافة الألكترونية التي يتسم بها عصرنا الحاضر علاوةً على ما وقع في أيدينا من إصدارات الشعراء والكُتّاب المعاصرين الذين تسنَّت لنا معرفتهم والتقينا بهم في العديد من المناسبات والمهرجانات الأدبية والثقافية داخل الوطن وخارجه فكانت رافداً ثانوياً للتنمية الفكرية والمعرفية وتبادل الخبرات .... إلخ ... .

* هل للبيئة الريفية التي نشأت فيها أثرٌ في تكوين ملامح تجربتك الشعرية ؟

لاشك في أن للبيئة التي نشأ فيها أي شاعر أثراً في تكوين ملامح تجربته الشعرية خاصةً البيئة الريفية اليمنية التي تتميز بعاداتها وتقاليدها في مختلف المناطق اليمنية عموماً ولكنَّها تتفرد بطابعها الشعبي شكلاً ومضموناً بحيث تتحكم فيها اللهجة الشعبية السهلة والمعمول بها في التخاطب والتعامل اليومي ما بين أبناء المجتمع إلاّ أن لثروتها الأدبية مكانةً رفيعةً ... فكثيراً ما يؤخَذُ بها في شتّى المجالات والمناسبات ويغلبُ فيها ما يسمى بـ «الزامل» الذي يُعرَفُ عنه أنَّهُ قد يُشعل حرباً أو يُطفئها بين أبناء قبائل اليمن ومازال محتفظاً بهيبته ومكانته حتى اليوم وكل اليمنيين يعرفون ذلك .

وأنا من أبناء هذه القبائل وشاعر من شعرائها ولي العديد من الإسهامات الأدبية والمساجلات الشعرية الشعبية بيني وبين عددٍ من الشعراء الشعبيين ولي في ذلك ديوانٌ شعري كبير بعنوان «بروق الخريف» يحتوي على كثير من القصائد الشعبية ومجالات الشعر الشعبي الأخرى . 
لكن ذلك لم يكن حائلاً بيني وبين كتابة الشعر الفصيح الذي هو همِّي وشغلي الأكبر الذي ظللت أكتبهُ ما يربو عن ثلاثة عقود من الزمن وأصدرت ما يقارب العشرة دواوين فيه حتى الآن ونشرت المآت من القصائد عبر الصحف ووسائل الإعلام المختلفة والذي بموجبهِ كما ذكرت آنفاً ذُكرت في معجم البابطين كأحد الشعراء العرب المعاصرين وفي غيره من الموسوعات الشعرية كما أجريت العديد من الدراسات والبحوث الجامعية على العديد من دواويني الشعرية .

* مَن هُم الأشخاص الذين لا يمكن أن تنسى لهم الفضل في مشوارك الشعري والأدبي ؟

يوجد الكثير من الأشخاص الذين لهم معي مواقف لا تُنسى وكلٌّ حسب ما بذله معي من جهد وعلى رأس هاؤلاء الأشخاص الشاعر الكبير الأستاذ / حسن عبدالله الشرفي وهو أول من دفعني وشجعني على طباعة ونشر ما أكتبهُ وقد كتب لي مقدمة ديواني «بسمةٌ في شفاه الفجر» الذي يحتوي على بعض ما كتبتهُ في عقديّ الثمانينيات والتسعينيات إلاّ أنّهُ تأخر إصداره إلى الترتيب الثالث بسبب أنه ظل حبيس أدراج وزارة الثقافة وبعض المؤسسات الثقافية التي كانت قد وعدتني بطباعته ولكن كان في ذلك التأخر خير بحيث أصدرت قبله ديوان «أسرار الرماد» الذي قدمهُ شاعر اليمن الكبير الأستاذ الدكتور/عبدالعزيز المقالح وهو الرجل الثاني بعد الشرفي الذي حفّزني وشجعني بل وعرّفني بموهبتي التي كنت أجهلها .

وهناك أشخاص آخرون شعراء وأدباء وصحفيون منهم على سبيل المثال لا الحصر الأستاذ/محمد القعود الذي تولى نشر مجموعة من قصائدي في الملحق الثقافي لصحيفة الثورة وآخرون أعتذر لهم عن عدم ذكر أسمائهم لأنهم كُثر ولا يتسع المجال لذكرهم كلهم .

* هل تؤمن بتقسيمات مدارس الشعر الأدبية ؟ وإلى أيِّ مدرسةٍ يمكن أن نعزو تجربتك الشعرية ؟ ( كلاسيكسة – رومانسية – واقعية -  كلاسيكسة تجديدية – حداثية ) ؟ 

صحيح هناك العديد من التصنيفات للتجارب الشعرية عند جمهور الأدب النقدي والنقد الأدبي وأنا لا يروق لي أن أثبتها أو أنفيها لأني شاعرٌ أكتب الشعر كما يطرأ لي دون أن يُترك لي الإختيار إلى أي مدرسةٍ أنسبهُ وللدارسين المتخصصين أن يصنِّفوهُ كما شاءوا

كذلك عندما أقرأ الشعر للآخرين أتذوقُهُ بحسب ما يحمله من صورٍ شعرية متتالية ، وأخيلةٍ عميقة أو سطحية , وموسيقى عذبة ومطربة ، ولغة متينةٍ وجزيلة إضافة إلى قدرة الشاعر على إضفاء الفنيات والتركيبات البنيوية واختيار المفردات اللغوية المتلائمة مع موضوعية النص الشعري والتي أعتبرها أنا شخصياً الركيزة الأساسية التي تحدّد أسلوب الشاعر وترسم بصماته على قصيدته الشعرية وهي الأهم بالنسبة إليّ
كما أنّها الملمح الأول في تحديد هوية زمن القصيدة المتمثل في التجديد إضافة إلى لغة النص الشعري المتجددة تناسباً مع متغيرات العصر الحديث التي لا يوجد لها أسُسٌ أو شواهد في القاموس العربي القديم والذي يمكن من خلاله أن يميز بين القصيدة الكلاسيكية التقليدية والقصيدة الكلاسيكية التجديدية هذا من ناحية الشكل أما من ناحية المضمون قد تبرز ملامح أخرى كإيحاآت السردية الموضوعية ، والحوارية كما هو في شعر البردوني ، والرمزية الدقيقة المعتدلة التي تكمن فيها مستوى الشاعرية بعيداً عن الرمزية الموغلة المتطرفة التي تجرد النص من روحه الشعرية المتألقة ولكل شاعرٍ أو قارئٍ أسلوبه في قرائته أو كتابتهِ أو تفسيره الخاص به .
ولكن القصيدة الناجحة أيّاً كان شكلها أو مضمونها هي التي تستطيع أن تهدهد حواس المتلقي وتترك أثراً فعالاً في وجدانهِ ومشاعره بروحها المحلقة في عالم الإلهام الشعري والمرتبطة كليَّاً بواقع ومجريات الحياة بصفتها المثير الأول لملكة الشاعر والقاسم المشترك بينها وبين المتلقي ، وهذه القصيدة لا يكتبها إلا الشاعر الممتلك لكل مقومات القصيدة إلى وجود المؤثر الخارجي الدافع لمشاعره إلى التعامل معه شعريا مستخدماً في ذلك مكنوزه الفكري من اللغة والدلالات المبتكرة التي تتماهى مع المثيرات الواقعية والمخيلات الشاعرية الفكرية والذائقة الوجدانية لدى الشاعر والمتلقي في آنٍ واحد بغض النظر عن إنتماء هذه القصيدة إلى أيٍّ من المدارس الشعرية بما في ذلك الحداثية .

* لماذا لم يَعُد للشاعر اليمني تأثيرٌ في واقعه كما كان في أواسط القرن العشرين المنصرم حين كان يتقدم كل الثورات والتغييرات والمطالب المجتمعية ؟

لقد كان للشاعر اليمني أو العربي عبر التاريخ لا في القرن العشرين الماضي فحسب دورٌ كبيرٌ في كل المراحل الثورية والحروب منذُ العصر الجاهلي مروراً بالصدر الإسلامي وما شهدهُ من فتوحات وكذلك في العصرين الأموي والعباسي حتى عصر الثورات العربية في القرن العشرين حيث كان الشاعر يتصدر هذه الثورات والحروب إذ كان بمثابة الموجِّه الروحي المسندة إليه عوامل إذكاء حماسة الجماهير ورفع معنوياتهم والتاريخ العربي مليئٌ بالشواهد على ذلك.

وكانت قوة تأثير الشاعر في محيطه الإجتماعي في كل مراحله تعتمد على واحدية توجه الجمهور ثقافياً وسياسياً واجتماعياً كما يعود ذلك إلى تعدد توجهات الجماهير السياسية المفتعلة وعدم وسائل الترويج لذلك مما جعل الثقافة المجتمعية تطغى على السياسة التجزيئية المقيتة
ومع أن الشعر في الوقت الحاضر مازال له مكانهٌ في نفوس الجماهير إلاّ أن العوامل السياسية أصبحت طاغية على الثقافة التوحُدية وذلك بسبب بروز عدد من التيارات السياسية الحزبية والطائفية والمذهبية وغيرها والذي ساعد على ذلك هو تعدد وسائل الإعلام التي استطاعت كل طائفة توظيفها في مصلحتها مما قلّل من أهمية ودور الشاعر في التأثير على المجتمع
إلا أن القصيدة الناجحة كما ذكرت في إحدى الإجابات السابقة تظل حاضرة ومسيطرة على مختلف التوجهات والأدلُّ على ذلك ما شهدته اليمن في الآونة الأخيرة من تباينات وصراعات حزبية وطائفية كانت رغم التوجهات والتوجهات المضادة تظهر أصداء هذه القصيدة عند الطرفين أو الأطراف المتصارعة والأقرب للتدليل على ذلك قصيدة النشيد الوطني للشاعر/عبدالله عبدالوهاب نعمان وأداء الفنان الكبير/أيوب طارش عبسي كانت مكبرات الصوت تعجُّ بأصداء هذه الأنشودة الوطنية في كل ساحات الإعتصام المختلفة إضافة إلى بعض قصائد لعددٍ من الشعراء على رأسهم الشاعر الكبير/عبدالله البردوني والتي ظلت ولم تزل ترددها وسائل الإعلام الحزبية المختلفة هذا وإن فقدت القصيدة بشكل عام جزءاً كبيراً من تأثيرها فإنها ماتزال الراصد والموثق الأبرز للأحداث المختلفة حاضراً ومستقبلاً .

* هل بالإمكان فعلاً إطلاق تسمية هذا العصر الأدبي بعصر الرواية كما راج في الآونة الأخيرة ؟ 

بما أنَّك قد طرحت عليَّ هذا السؤال يجب عليَّ أن أكون في إجابتي دقيقاً وصريحاً ومنصفاً ومن المعروف منذ الأزل بأن (الشعر ديوان العرب) هذه التسمية التي انفرد بها الشعر من بين الأجناس الأدبية الأُخرى والذي كان قد بدأ يروج من نهاية التسعينيات في القرن الماضي وبداية الألفينيات هو (الرواية ديوان العرب) فأقول هذا إنتحالٌ لصفة الآخر ولا يمكن لها أن تثبت ولكي أكون منصفاً لابد من القول بأنَّهُ أصبح للرواية حيزٌ كبيرٌ في الساحة الأدبية المعاصرة نظراً لما تزخر بهِ من إمكانيات ترويجية وأدائية هائلة أستطاعت (أي الرواية) بواسطتها أن تفرض نفسها وتثبت وجودها كصفةٍ أدبيةٍ مستقلةٍ دون أن تحل محل الآخر

ويجب عليها التعايش والتلائم مع الأجناس الأدبية الأخرى ولا أنفي بأنّا في حاجة ماسة للرواية الحديثة القوية والمتماسكة فنياً وبنيوياً وموضوعياً ، مواكبةً للعصر ومستجداته المتتالية السريعة واللآمتناهية ، متطورةً في مجالها ولكني أعتبرها مشروع أمنية لِخلُوّ الساحة الثقافية من الرواية العصرية المطلوبة وهذا خلافاً للواقع الشعري المتنامي والمزدهر.

* متى يشعر فيصل البريهي بضرورة الخلود مع النفس والإحتماء بالذات ؟ 

أشعر بضرورة الخلود مع النفس في معظم الأوقات بحسب الطارئات المعيشية المسلطة على نفسية وأحاسيس الشاعر

كما أن القصيدة بالنسبة للشاعر هي الملاذ الأول الذي يلجأ إليه الشاعر كلما اسشتدت عليه المؤثرات الحياتية وأثقلت كاهله هموم الحياة ومنغصاتها فيلوذ بالقصيدة ليفرغ فيها كل ما يحمل في مشاعره وجوارحه من هموم
أما بالنسبة للإحتماء بالذات فيكون عندما يعيش الإنسان في واقعٍ متعدد الأوجه والألوان خصوصاً الإنسان الكبير الذي يحمل في قلبه هم وطنه ومجتمعة والهويّة الأنسانية برمتها لأنه يجد نفسه في ملتقى العديد من التيارات والتوجهات التي يترفع عنها ويتبرأُ منها إلاّ أن هذا لا يعفيه عن واجبه الوطني والأدبي والأخلاقي ولا يُبعدهُ أيضاً عن مصادر ومخاطر الهموم والآلام التي تحيط بهِ وبوطنه وتؤرّق قلبه وضميره .

* كيف تنظر لمستوى ونضج التجارب للشباب اليمني ؟ وهل ترقى تجاربهم للتنافس عربياً ؟ 

حقيقة إنّ نظرتي إلى مستوى تجارب الشباب اليمني نظرةٌ تفاؤلية وذلك لما تزخر به الساحة الثقافية الأدبية من مواهب شابَّة استطاعت أن تحقق بنتاجها الأدبي مستوىً راقياً مقارنةً بمستوى التجارب الشابة في الأقطار العربية الأخرى ولدينا أسماء مواهب شابة كثيرة حققت نجاحاً باهراً وحصلت على المراكز الأولى في العديد من المسابقات الأدبية في الوطن العربي رغم محاولات تهميشها من قبل القائمين على هذه البرامج ومن الحكومة والمؤسسات الثقافية اليمنية  ولندلِّل على ذلك مثلاً لدينا الشاعر الشاب/أحمد المعرسي الذي سابق في ليبيا قبل ما يقارب خمس سنوات وحصل على المركز الأول من بين أكثر من ألف ومأتين شاعر من أكثر من ثلاثين دولة عربية وإسلامية ولكنّهُ للأسف الشديد لم يكرّم من قبل وزارة الثقافة اليمنية أو الدولة أو أي مؤسسة ثقافية في اليمن سوى احتفائية واحدة نظمها له إتحاد الأدباء فرع ذمار ....

كذلك الشاعر الشاب/عبدالعزيز الزراعي الذي حصل على لقب أمير الشعراء في الأمارات العربية المتحدة وكان له نفس مصير المعرسي من التجاهل والإهمال الرسمي المحلّي ، وغيرهما من المواهب الشعرية والفنية الأخرى لا يسمح لي المجال بذكرهم جميعاً وإنما أردت التدليل والإستشهاد فقط ....
أما بالنسبة لنضج التجارب فإنَّ النضج لا يأتي دُفعةً فورية وإنما يأتي مرحلياً أي كلما طالت مدة عمر التجربة ازدادت نضجاً عن طريق الإستفادة من تجارب وأخطاء الشاعر التراكمية التي مارسها فعلياً في كل مراحله الشعرية أو الفنية و(كلما ازدادت القدور إحراقاً ازدادت نضجاً) وقد تكون مراحل النضوج متفاوتة من شخصٍ لآخر بحسب نسبة الخصوبة الفكرية لدى أصحاب المواهب....
والذي أودُّ أن أشير إليه هو خشيتي على بعض المواهب الشابة التي بلغت بهم الثقةُ بالنفس حدَّ الغرور حتى أنَّهم كما ألاحظ البعض منهم أصبحوا غير قادرين على تقبُّل النقد ويرون أنفسهم أكبر من أن ينتقدهم أو يبدي له عليهم أيّ ملاحظةٍ أحد فأقول في نفسي أن لا أملاً في هاؤلاء عملاً بقول المثل (الغرور مقبرة المواهب) وأأُكدُّ أن إشارتي هذه لم أقصد بها سوى البعض وهمُ القلَّة أما الكثير منهم فأنا مطمئنُّ عليهم وأملي فيهم كبير .

* برأيك هل أنصف الإعلام العربي عموماً والمحلّي خصوصاً واقع الأدب اليمني ؟ أو بمعنى أخر : هل أنت راضٍ عمّا يقوم بهِ الإعلام العربي تجاه المشهد الأدبي في اليمن ؟ 

لا .... لم أكن يوماً من الأيام راضياً عن الأعلام العربي أو المحلي لأنَّه لم يؤدِّ دوره المطلوب تجاه المشهد الأدبي والثقافي بشكل عام وذلك يعود إلى القائمين على الإعلام إما سُلطةٌ غير مثقفة أو تيارات حزبية ضيقة أو شرائح رأسمالية مُتكسِّبة باستثناء بعض البرامج النادرة التي يقوم بها قلِّةٌ من الإعلاميين المثقفين في قنوات محدودة وإلاَّ فكل القنوات أو نقول معظمها مسيّسة ولا يمكن للسياسة أن تخدم الثقافة مطلقاً لأن الثقافة في القاموس العصري نقيض السياسة وهذا ما دأب عليه الإعلام بما في ذلك تلك القنوات التي تبدو لنا أنّها متخصِّصة بالثقافة خاصةً في دول الخليج العربي فقد ظلت وماتزال توهمنا بأنَّها مهتمةٌ بالثقافة إهتماماً بالغاً وهي في حقيقة الأمر تسعى من وراء هذه اللافتة إلى التّكسُّب المادي الذي هو هدفها وهمُّها الأول وليست الثقافة والأدب إلاّ وسيلة لديها لا غاية

ولو لم تكن كذلك لما بلغ بها الأمر إلى التنسيق مع شركات الإتصالات المختلفة في كل الأقطار العربية (ربما وفي العالم) على مرئى ومسمع الشعوب فكم دعمت هذه الشعوب مرشحيها في المسابقات الثقافية برسائل(sms) التي تصل قيمة هذه الرسالة أحياناً إلى دولار وبحجة نسبة التصويت الأشبه ما تكون (بالمزاد العلني) بينما لم تُمنح لجان التحكيم من درجات سوى خمسين بالمأة 50% ومثلها للجمهور
وما أطول الحديث في هذا المجال ولكني سأكتفي بما قد أسلفت .....
ولا يفوتني أن أشيد ببعض الصحافة الورقية التي معظم كوادرها من شريحة المثقفين وأضيف إلى ذلك وسائل التواصل الإجتماعي في الآونة الأخيرة التي بواسطتها استطاع المثقف اليمني أن يتواصل ويتعرف بأكبر شريحة مثقفة في مختلف الدول العربية والعالم وأقول بكل شفافية بأنها خدمت الأدب والثقافة في اليمن والوطن العربي أكثر من وسائل الإعلام .

* أين هي الأزمة الحقيقة في المشهد الثقافي اليمني ككل؟ 

لقد أحسنت في طرح هذا السؤال إذ حصرتَهُ في الأزمة الحقيقة

نعم لدينا ثروة ثقافية هائلة لا أزمة فيها ورصيدٌ تراثيٌ ثقافيٌ وحضاريٌّ لا يقارن بأرصدة الدول الأخرى..
وتكمن الأزمة الحقيقية في عدم إهتمام الجانب الرسمي باستغلال هذه الثروة الإستغلال الأمثل ودعمها وتنميتها إدارياً واقتصادياً وإعلامياً وغير ذلك والحفاظ على الرصيد التراثي الثقافي والعلمي والحضاري من الإنهيار والتلاشي
ومن المعيب أن رصيدنا من المخطوطات والآثار التاريخية تُهرب بأيادٍ يمنية وتُباع بأبخس الأثمان لتُضاف إلى أرصدة مكتبات ومتاحف العديد من الدول العربية والأجنبية ولكنِّي أعتقد أن المشهد الثقافي اليمني ككل أُهمل إهمالاً مُتعمَّداً كما ذكرت في إجابتي عن سؤالٍ سابق أن الجهة الرسميةُ سلطة غير مثقفة وهي التي بيدها كافة الوسائل والجوانب الإعلامية والمادية وغيرها ولكن هذا لا يعفي المؤسسات الثقافية الأهلية والنقابات والنُّخب الثقافية والحقوقية وغيرها من المسؤلية لأن هذه الثروة ملكٌ لكل الوطن....
إضافة إلى عدم وجود المدارس التأهيلية الأدبية والنقدية ودُور الطباعة والنشر هل تستطيع أن تثبت لي أي جهةٍ رسميةٍ قد تولّت طباعة ونشر أي عملٍ أدبي لأي شاعر أو كاتب ؟ أو حتى أمَّنت معيشة أحدٍ منهم على الأقل ؟ أو سفَّرته للعلاج في الخارج لإنقاذه من الموت ؟ 
في الساحة الثقافية مئات الأسماء الشاعرة والكاتبة التي أصدرت العديد من الأعمال الأدبية بمجهودها الذاتي ثم يتحول المؤلف إلى دلّال في أبواب الوزارات والعديد من الجهات الرسمية والخاصة بما فيها وزارة الثقافة واتحاد الأدباء والجامعات وغيرها مستجدياً منهم أن يشتروا منهُ بضع نُسخ من إصداراتهِ بالسعر التشجيعي فيعود إمَّا خائباً أو أنَّه قد خسر مصاريف متابعته لهم أكثر ممَّا تفضلوا بهِ عليه من ثمنٍ بخس لبضاعته وهذه كارثة كبرى في نظري 
إنهم لا يرون للمثقف حقاً على وطنه كما يرون للوطن حقه على المثقف ولكنا سنظل نعتبرهُ واجباً وطنياً لن نتراجع عنهُ مهما كانت المصاعب والتضحيات ، سننصف وطننا وإن لم ينصفنا فسينصفنا التاريخ .

* هل ترى أن النقد الأدبي في اليمن يواكب ما ينتجهُ الشعراء والأدباء من أعمال ؟ وأين الخلل ؟ 

في الحقيقة إنّ مِن أهم ما تفتقر إليه الساحة الأدبية في اليمن هو النقد الأدبي ولعل غياب النقد الأدبي يرجع إلى عدة عوامل منها عدم اهتمام الجهات المعنية بالنقد والناقد وعدم تبنِّها للكوادر النقدية المؤهلة والإعتناء بها ممّا أدى إلى خلُوّ الساحة الأدبية من النقاد .... وإن وجد القليل منهم فإنهم لا يستطيعون استيعاب الكمِّ الهائل من الإصدارات والإنتاج الشعري والأدبي المتزايد ....

ولو وجدت الدولة القوية المهتمة بهذه الثروة الأدبية التي تمتلكها اليمن لأقامت لإستغلالها المعاهد والأكاديميات والمراكز والأندية وسخّرت لها جميع الإمكانيات الماديّة والإعلامية والبُنى التحتية التي تليق بها ولو قارنّا ساحتنا الثقافية الغنية بالمواهب المعطاءة ببعض الدول العربية لوجدنا أن بعض دول الجوار العربي رغم شحّة ساحاتها الثقافية قد أوجدت بُنى تحتية عملاقة (كأكاديمية الشعر العليا) وما يوازيها من المنشآت النقدية .....
ونلاحظ في ساحتنا بعض الكوادر النقدية المهمة انها تقوم بإجراء بعض الدراسات النقدية المحدودة لأعمال عددٍ قليل من الشعراء والأدباء وبجهودٍ ذاتية بما أن الناقد لكي يجري الدراسات النقدية الراقية بحاجة إلى المادة والوقت وصفاء الذهنية وهذا لا يتم إلا بإستعداد الدولة لتأمين معيشتهُ وتوفير المناخات الدراسية الملائمة ....
ومما ألاحظهُ على بعض النقاد الموجودين في الساحة ويؤخَذ عليهم وإن كانت مبادرتهم النقدية بجهود ذاتية هو الإنحياز إلى شاعرٍ بعينه تربطه بهم صداقات أو معرفة أو مصالح شخصية ويعتبرون ما يقومون به من دراسات نقدية كخدمة يقدمونها لهذا الشاعر أو لذاك ممَّا أضفى على أعمالهم طابع المجاملات وعدم المصداقية الأدبية النقدية بينما هناك العديد من الشعراء الذين لهم إنتاجات شعرية متفوقة تستحق بكل جدارة الوقوف عليها ونقدها بل وتدريسها على مستوى الجامعات .....
أتمنى من كل المهتمين بهذا الجانب مضاعفة جهودهم وبذل المزيد من الإهتمام وتقديم التضحيات بالوقت والمال خدمةً للوطن في الدرجة الأولى وللأدب اليمني والعربي في الدرجة الثانية ....
كما أتمنى من المؤسسات الثقافية الأهلية في بلدنا تبنِّي مثل هذه المشاريع في نطاق ما تستطيع عليه وتسمح به إمكانياتها مساهمةً منها وتحفيزاً للجهات المعنية في الدولة للقيام بواجباتها نحو الثقافة والأدب والإهتمام بكل العاملين في الساحة الثقافية اليمنية .

* ما الذي يُغضب فيصل البريهي وما الذي يسعدهُ في هذا الواقع ؟ 

اسمح لي أن أجيب عليك في البداية بهذين البيتين :

لم يَعُد في العيش شيءٌ مُفرحٌ    أو مَسَرَّاتٌ عجافٌ أو سِمانُ
كلُّ ما فيهِ غُثاءٌ مُنتنٌ     وجراحٌ مُزمناتٌ واحتقانُ
إذاً لا أرى شيئاً يجلبُ السعادة سوى بعض التكهُّنات بمستقبلٍ مشرق ....
كما أجد بعضاً من السعادة حينما أحضر اجتماعاً أدبياً مفتوحاً نتناقشُ فيه عن واقع وطننا فأسمع فيه بعض الأصوات يحدوها التفاؤل والأمل
وأكثر ما يُغضبني هو أن أرى وطني يتمزق أمامي دون أن استطيع أن أعمل أو أغيّر شيئاً ، حين أرى قوائم الحزبية مليئة بمطالبها الأنانية ونصيب كلٍّ منها من جسد هذا الوطن الذي طالما حَلِمنا بهِ وسهرنا من أجله
وسأكون في أتم السعادة يوم أن أرى وطني لا يعيش عليه سوى الحب والوئام وتكون المصالح الدونية قد تلاشت وانتهت 
يوم أن أفتخر حين أقول بأني يمني إذا سُئلتُ : من أين أنت .
يوم لا أرى (على أرضي وصيّا).

* ما هي الأعمال المستقبلية لفيصل البريهي ؟ .

أخي العزيز أنا شاعرٌ من بين عشرات الشعراء الذين لا توجد لديهم خططٌ استراتيجية مستقبلية سوى طباعة أعمالي الشعرية المتراكمة التي لا تجد سبيلاً إلى الطباعة والنشر نظراً لعدم وجود الإمكانيات الشخصية أو جهةٍ داعمة تتولّى طباعتها إضافة إلى إعادة طباعة دواويني السابقة التي لم أعُد أمتلك منها نسخةً واحدة....

فهي بالنسبة لي لم تزل مشروعاً مُعَدّاً لطبعها وجمعها في مجلَّد أعمال شعرية أولى كما لم تزل مجموعاتي الأخيرة والتي لم تطبع مشروع جمعٍ في مجلّد أعمال شعرية ثانية .
أما مادون ذلك فأنا شاعرٌ بضاعتي القصيدة التي تأتي مرادفةً لما تشهدهُ حياة الشاعر من أحداث كما أنها وليدة اللحظة التي تأتي دون إنتظار مجيئها أو الإعداد لها مُسبقاً.

* كلمة أخيرة في ختام هذا اللقاء ؟ .

كلمة شكر وعرفان لك شخصياً على استضافتي في هذا اللقاء.

كما أشكر صحيفة الثورة وكل القائمين عليها الذين لا يألون جهداً في خدمة الأدب والثقافة بشكل عام كما أن الأدباء والمثقفين مازالوا يعتبرون هذه الصحيفة منبرهم الرئيسي الذي من خلالهِ يتنفسون ويبثون ما يجول في صدورهم من هموم ومعاناة ومن آلامٍ وآمالٍ على حدٍّ سواء .

.............

تم نشر هذا الحوار في صحيفة الثورة بمثل هذا اليوم 12 فبراير عام 2015م.