الرئيسية - أدب وثقافة - حكايات محمد الكفراوي عن نجيب محفوظ: أديب عبقري وسياسي متواضع

حكايات محمد الكفراوي عن نجيب محفوظ: أديب عبقري وسياسي متواضع

الساعة 01:15 صباحاً (يمن دايركت- وكالات)


 كتب/ عاطف محمد عبد المجيد

 
في كتابه «حكاياتي مع العبقري نجيب محفوظ « الصادر حديثًا عن دار غراب للنشر والتوزيع في القاهرة، يقول المهندس محمد الكفراوي، إن نجيب محفوظ قد شرّفه واختصه بمشاعر لم يختص سواه بها، وكان يتحمل أسئلته وحواراته، التي لم يكن أحد يجرؤ أن يطرحها عليه أو يناقشها معه، ذاكرًا قوة العلاقة بينه وبين محفوظ، وتطور صداقتهما وصمودها طوال خمسة وعشرين عامًا، حتى رحيل محفوظ. في كتابه هذا يُظهر الكفراوي للقارئ شخصية محفوظ كما لم تظهر من قبل، وسوف يتعرف على مشاعره الحقيقية تجاه الأحداث والشخصيات والمواقف، التي قابلها وعاشها.هنا أيضًا يعطي الكاتب صورة عامة موجزة عن ندوات محفوظ في كازينو قصر النيل، وسوفتيل المعادي وشبرد، إضافة إلى جلسة هيلتون رمسيس، التي كان محفوظ يخص الكاتب بها. الكتاب يضم بين غلافيه هنا أيضًا الحوارات والتحليلات التي أجراها الكاتب مع محفوظ، الخاصة بكتبه ورواياته وقصصه القصيرة. الكفراوي الذي يقول إن إحساسه وهو ذاهب لرؤية الأستاذ في ندوته هو أجمل وأقوى إحساس شعر به في حياته، وهو إحساس غامر بالسعادة والحب والجمال، وكل المشاعر الخيّرة التي يمكن أن يختبرها إنسان، يؤكد أن نجيب محفوظ كان رمزًا للحياة الإنسانية في أجمل أحوالها وأشرقها وأنبلها.هنا يصف الكفراوي نجيب محفوظ بأنه إنسان عبقري في عمله، كأعظم ما تكون العبقرية ومتواضعًا في سلوكه مع الآخرين، كأصدق ما يكون التواضع، واجتماعيًّا ومرحًا وابن نكتة، وكان عمله يعمق مشاعر حب الوطن وعشق الحياة، كما يصفه بأنه إنسان شبه كامل.

62

مفاجأة سارة

كان الكفراوي يتمنى رؤية محفوظ بعد أن قرأ كتبه، وانبهر بعبقريته وبعمق رواياته، وأصبحت أمنيته أن يعرفه عن قرب، ويتمتع بصحبته، وقد حدث هذا في شكل مفاجأة سارة حين كان يجلس في كازينو كليوباترا في حي العجوزة أمام النيل. في البداية، كانت ندوة كازينو قصر النيل تضم من ثمانية لعشرة أشخاص، بينما تزايد العدد بعد فوز محفوظ بجائزة نوبل. الكفراوي الذي يصف بداية علاقته بمحفوظ بأنها بداية عاصفة، يقول، إنه كان الليبرالي الوحيد الذي يذهب إلى الندوة وسط ناصريين وشيوعيين. هنا يقول الكفراوي إن محفوظ بموضوعيته الهائلة وإنسانيته وهدوئه وأدبه الجم، كان هو الملاذ الآمن الذي يحتاج إليه أي مظلوم وأي ليبرالي، وسط جحافل الناصريين واليساريين والشيوعيين، الذين كانت تغص بهم الندوة، بل مصر كلها. كذلك يضيف الكفراوي أنه اكتشف بعد طول السنين أن الشعب المصري في أغلبيته ينقسم إلى اتجاهين لا ثالث لهما، إما ناصري أو إخواني.

كان الكفراوي يتمنى رؤية محفوظ بعد أن قرأ كتبه، وانبهر بعبقريته وبعمق رواياته، وأصبحت أمنيته أن يعرفه عن قرب، ويتمتع بصحبته، وقد حدث هذا في شكل مفاجأة سارة حين كان يجلس في كازينو كليوباترا في حي العجوزة أمام النيل.

أما الليبراليون ودعاة الحرية وحقوق الإنسان، كما تعرفها دول الحضارة الحديثة فهم قلة قليلة لا وزن لها. هنا نعرف خفة دم محفوظ وطريقة معاملته لضيوف ندوته، ونعرف صراحته في إبداء رأيه في إنتاج الأدباء والشعراء والسياسيين. كان الكفراوي يرى أن المتنبي هو نيتشه العرب، وقد كان محفوظ يوافقه الرأي، ومن هنا يقول الكاتب إن الضعيف ليس رحيمًا أو طيبًا كما يتراءى لنا، بل هو في أغلب الأحيان مغلوب على أمره، فإذا ما تمكن أو أُعطي سلطة على العباد، قد يفجر ويتنمر ويظهر شره، وينطبق هذا على الشعوب مثلما على الأفراد، ومن هنا يقول الكاتب إن الغرب تتنازعه صفتان لشخصيتين رئيسيتين يتردد بينهما كبندول الساعة، وهما نيتشه والمسيح، أي القوة والرحمة. ومتحدثًا عن الأدباء الذين تخطتهم جائزة نوبل ومنهم تولستوي، يقول الكفراوي، ويوافقه محفوظ في رأيه هذا، إن الفصل الذي كتبه الأمريكي ويليام فوكنر في رواية «الصخب والعنف» على لسان الأخ المتخلف عقليًّا، يعتبر من أعظم ما كُتب في تاريخ الرواية العالمية، وقد حصل فوكنر على نوبل بهذه الرواية.
هنا يذكر الكفراوي أن هناك حقيقة كان يذكرها مرارًا للعبقري نجيب محفوظ وهي، أنه كان في كل مقالاته وعلى مدى سنوات كان يهاجم حسني مبارك وعهده بضراوة، ولم يتعرض له أحد بتهديد، ولم يتدخل أحد لمنع مقالاته، ما جعله ينتبه إلى أن عهد مبارك كانت فيه حرية الرأي مكفولة، كما يذكر أنه قال لمحفوظ ذات مرة إن الغرب كثيرًا ما يستغل سذاجتنا في الكلام والوعيد الفارغ من أجل قلب الأمور ضدنا، حتى إن كان الحق معنا. كذلك يذكر الكاتب في معرض حديثه عن المخرج توفيق صالح، أنه قال للعبقري إن أي محاولة لخلق أسطورة المخرج الأوحد مثلها مثل محاولات خلق أسطورة الزعيم الأوحد، سينتهي مآلها إلى الفشل، وقد وافقه الرأي قائلًا له: صح. هنا أيضًا يتحدث الكفراوي عن الشخصيات الجميلة والمتنوعة التي كانت تحضر ندوة العبقري ذاكرًا منها المفكر الليبي أحمد إبراهيم الفقيه، الصحافي إبراهيم عبد العزيز، الشاعر نصار عبد الله، الرسام صلاح طاهر، الموسيقار سليم سحاب، إلى جانب الشخصيات الأخرى التي كانت تحضر الندوة بصورة دائمة.

كتاب شيق

في «حكاياتي مع العبقري» يذكر الكفراوي أن محفوظ لم يكن يتطفل على أحد، ولا يطيق أن يجرح أي إنسان مهما صغر شأنه، كما كان يعشق زعامة سعد زغلول ومصطفى النحاس عشقه لثورة 1919، إلى جانب تصديه في رواياته لكل أنواع القهر والطغيان السياسي والاجتماعي والديني. كذلك يقول الكفراوي عن العبقري إنه كان يتحلى بخفة دم وحساســية وذكاء اجتماعي بلا حدود، وإنه كان أديبًا عبقريًّا وسياسيًّا بريئًا، وإنه كان منظمًا إلى أقصى درجة ممكنة، وتنظيمه لوقته جعله يقرأ ويكتب ويعمل ويقابل أصدقاءه، بدون اضطراب أو فوضى، وكان يحترم الجميع ولا يهتم بالمظاهر ولا يتهافت على وسائل الإعلام ولو كانت عالمية.
نهاية..هذا الكتاب الذي يختتمه مؤلفه بعدة صور من ندوات نجيب محفوظ، هو كتاب شيق حقيقة، وهو ينقل للقارئ صورة حية لما كان يحدث في ندوة نجيب محفوظ، عارضًا رأيه في كثير من المسائل أدبيًا وفكريًّا وسياسيًّا، كما يجعلنا نقترب من عالم محفوظ، وهو ينقل لنا لمحات من شخصيته وآرائه، لنقرأ كتاباته ونستوعبها كما لو كنا نحن أبطالها الحقيقيين.

٭ شاعر ومترجم مصري