آخر الأخبار :
الرئيسية - أدب وثقافة - علي محمد زيد: اكتشفتُ بالتجربة العملية أن الأجيال الجديدة منغمسةٌ في همومها وفي معاناة لحظتها، بما يشغلها عن هَمّ التأصيل لِلَحظةِ التحول ومفرداتها وقضاياها

علي محمد زيد: اكتشفتُ بالتجربة العملية أن الأجيال الجديدة منغمسةٌ في همومها وفي معاناة لحظتها، بما يشغلها عن هَمّ التأصيل لِلَحظةِ التحول ومفرداتها وقضاياها

الساعة 05:30 مساءً (يمن دايركت- متابعات)


حاوره/ محمد عبدالوهاب الشيباني

 

حين طلبَ مني الزملاءُ في “خيوط” إجراءَ حوارٍ مع الدكتور علي محمد زيد، وافقتُ بسرعة؛ فقد كنت أظن أن معرفتي بمنجزه الثقافي وعلاقتي الشخصية به ستسهّلان عليّ الكثيرَ من الأمور. غير أن الحال سارَ في اتجاهٍ مغايرٍ تماماً. فما ظننته سهلاً وفي المتناول، صار عصياً لأسباب عدة؛ منها استطالةُ مشروعه وتنوعُه وثراؤه. ثم ما الذي يمكن أن تأخذه؟ وما الذي ستبقيه من هذا المنجز المختلف في جوانبه الفكرية والثقافية والأدبية والترجمة؟

بدأت علاقتي –كقارئ- بالدكتور علي محمد زيد أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وحتى الآن لم أزل أرى كتابه (معتزلة اليمن ـ دولة  الهادي وفكره)، بموضوعه الفكري الإشكالي ومنهجه العلمي الرصين، واحداً من كتب التكوين الباكرة، التي لم تزل تفعل وبعمقٍ في ذاكرتي منذ ملامستها الأولى.

القراءات السيّارة لما كان ينشره علي زيد، من موضوعات ذات صلة بتاريخ الحركة الوطنية، وبعض الترجمات هنا وهناك، هي كلُّ ما أتذكره من علاقتي القرائية به طيلة فترة عقد التسعينيات، التي أقام فيها في باريس كمندوب لليمن في اليونيسكو. لكن مع نهاية هذا العقد تسنى لي الاقتراب من علي زيد المترجم؛ حين قرأت رائعة حبيب عبد الرب سروري “الملكة المغدورة”، التي قام بنقلها إلى العربية- عن الفرنسية- بلغةٍ راقيةٍ تجاوز فيها كمائن الترجمة وتخشبها.

وفي تلك الفترة تقريباً، قرأتُ ثالثَ عملٍ ملمومٍ في كتاب لعلي زيد، وهو عمله الروائي الأول (زهرة البن)، الذي صدر ببيروت، في ذات العام –أي في 1997- الذي تولى المركز الفرنسي للدراسات اليمنية في عام 1997 

في السنوات الأولى من الألفية الجديدة، تعمقت صلتي القرائية بعلي زيد أكثر، إذ قرأتُ ترجمته الباذخة لكتاب الأنثروبولوجيِّ الفرنسي المهتم بقضايا الموسيقي المحلية في صنعاء، جان لامبير، المعنون بـ(طب النفوس ـ فن الغناء الصنعاني)، الذي يبحث في الإجابة عن السؤال الصعب؛ وهو: هل باستطاعة الموسيقي والغناء الصنعائيين أن يكونا دواءً للروح؟ كون تقاليد المقيل المرتبطة بالموسيقى والطرب تهدف في الأساس إلى رعاية موج النفس “تدفق الروح”؛ لذلك يمكن المراهنة على أن الموسيقى عبر هذه العلاقة تساعد الإنسان على أخذ مكانه في العالم وتعطي لوجوده معنى.

عمله الروائي الثاني (تحولات المكان)، الذي صدر في 2005، شجعني على مقاربة التجربة السردية لزيد في مادة كتبتُها ونشرتُها وحاضرتُ بها في فعالية باتحاد الأدباء والكتاب اليمنين في صائفة 2006، عنوانها “من زهرة البن إلى تحولات المكان .. الخلاص بعكاكيز هشة”؛ وهي المادة التي ستصير تالياً عندي مدخلاً لقراءة زيد الأديب.

الأهمية الشديدة التي قدمها كتاب “مذكرات أحمد محمد نعمان ـ  سيرة حياته الثقافية والسياسية”، التي قام زيد بتحريرها ومراجعتها وصدرت في 2003، تكمن في الأصل في إعادة التعريف بواحدٍ من المثقفين السياسيين في تاريخ اليمن المعاصر وأكثرهم إشكالية.

العديد من العناوين الأخرى في التأليف والترجمة، التي أنجزها، سنعرّج عليها تباعاً في هذا الحوار الذي نريده مدخلاً  للتعريف بمشروعٍ كبير.

في الجزء الأول من هذا الحوار المكون من أربعة أجزاء، مع الدكتور علي محمد زيد، ارتأيتُ أن أبدأ من أحدث إصداراته الثقافية، وهو كتاب “الثقافة الجمهورية في اليمن”، والذي صدر مطلع العام 2020 في القاهرة؛ على أمل أن نواصلَ في بقية أجزاء هذا الحوار استجلاءَ الكثير من أفكار مشروعه الهام والكبير، لتقريبها أكثرَ لقارئ هو في أمسِّ الحاجة إلى أن يغترفَ من معينٍ معرفيٍّ صافٍ، في وقتٍ صارت بضاعةُ الحرب وتجارةُ الوهم هي الرائجة، ومغرياتُها أقدرَ على تسييل لعاب الجميع.

– لماذا الثقافة الجمهورية الآن؟ هل هو الحنين أم القيمة؟

البحث الثقافي في اليمن ما يزال ضعيفاً للأسف، والأجيال الجديدة منغمسةٌ في همومها وفي معاناة لحظتها

*لأن البحث الثقافي في اليمن ما يزال ضعيفاً للأسف. وقد وجدتُ أن اللحظة الفارقة للتحول الثقافي، من جمود القديم وتقليديته إلى الثقافة الجمهورية، غيرُ مدروسة كما ينبغي. كيف حدث التجديد في الأشكال الثقافية، وفي التقنية الفنية وفي المضامين الفكرية وفي الرؤى؟ وما هي المعالم الصعبة لهذا التحول؟ وما هي المعاناة والعذابات التي كابدها المبدعون الأوائل؟ وما هي الانعطافات الفارقة بين الماضي وما بعد الجمهورية؟ هذا ما كنا نعتقد أنه معلومٌ بداهةً. ولكن بمرور الوقت اكتشفتُ بالتجربة العملية أن الأجيال الجديدة منغمسةٌ في همومها وفي معاناة لحظتها، بما يشغلها عن هَمّ التأصيل لِلَحظةِ التحول ومفرداتها وقضاياها. وكان دافعي لالتقاط لحظة التحول أن تكون درساً في الطموح لإحداث تحولاتٍ أعمقَ وأبعد، الآن وفي المستقبل.

– هل غلَّبْتَ الجانبَ المتسامحَ في تناول بعض النصوص على القيمة الجمالية والفنية، حتى تبرز المنتوج باعتباره تبشيرياً ومعبراً عن حالة التحول؟

* كان هَمّي الأساسيُّ التقاطَ مؤشرات التجديد والإضافة، ورصدَ القيم الإبداعية التي صنعتْ لحظةَ التحول من القديم إلى الجديد. لم يكن همي القيامَ بدراساتٍ فنيةٍ مفصلةٍ لإبداع كلٍّ من القمم الثقافية التي تناولتها. مثلاً، لم أدرس شعر الزبيري في غناه الفني، وإنما تتبعتُ فقط معالم التحول في شعره ونثره، وما أضافه إلى الحركة الثقافية في اليمن، بنقله الشعرَ من الأساليب التقليدية، ومن المدح والهجاء والرثاء والسطحية والافتعال، إلى التوحُّد بين حياة الشاعر وشعره وقضية شعبه، فأبدع في تغيير لغة الشعر ووظيفته.

بالمثل، بالنسبة للبردوني، لم يكن همي القيام بدراسةٍ فنيةٍ مفصلةٍ لشعره، بل حاولت التقاطَ ما يميّز شعر البردوني من إضافات فارقة، ومن ملامحَ فنيةٍ ميزتْ شعرَه عما سبقه. وبالمثل بالنسبة لريادة الشعر الحر، عند من شاركوا مبكراً في تحوّل الحركة الشعرية العربية، وصولاً إلى بروز عبد العزيز المقالح كمُنظّرٍ للتحول الشعري ومبدعٍ وناقد. وتناولتُ علامات الإضافة النوعية عند لطفي جعفر أمان ومحمد الشرفي.

وهذا ما حاولتُه، بالنسبة لكتابة المقال والقصة القصيرة والفن التشكيلي والمسرح والمؤثرات الثقافية، وفي مجال التعليم والقيم…. الخ. وهكذا كان الهمُّ الأولُ رصدَ المعالم البارزة للحظة التحول التاريخية الفارقة فقط. لم يكن الكتاب مجردَ بحثٍ تاريخيٍّ ولا دراسةٍ فنيةٍ مفصلة، بل التقاطاً لهذه اللحظة المهمة بقدر الإمكان.

– أظنك أنجزت تأليف الكتاب في باريس، فهل كان الأمر سيختلف لو أنك أنجزته في صنعاء أو أي مدينة يمنية أخرى؟ بمعنى آخر: هل لعبتْ المعاينة من الخارج، إن صح قولُ مثل هذا، مشغلاً فاعلاً في تجويد المحتوى وصفائه؟

* في الواقع، قمتُ بكتابة النص في اليمن وسلّمته للناشر عند مروري بالقاهرة. وتناقشتُ في بعض أفكاره معك ومع زملاء كثيرين. كان الموضوع، كهمٍّ ثقافيٍّ عامٍّ، يشغلني منذ فترة، وجاءت المناقشات التي خضتُها مع بعض الشباب لتستفزني وتدفعني لمباشرة العمل، وتحضّني على تجاوز التردد، وتحديد الموضوعات والتركيز في العمل وبلورة الأفكار. وهكذا تجسّدَ الموضوع في ذهني أولاً، وكانت الأشهر الستة التي قضيتها في المدينة والريف كافيةً لصياغة النص في صورته التي ظهر بها.

– هل كان التمثيل الجغرافي في اختيار المؤلفين وكتبهم ضاغطاً عليك، حتى لا تبدو الجمهورية غارقةً في مفهوم المركزة؟

* لا يوجد في رأيي تمثيلٌ جغرافيٌّ بأيّ حال، وكان هذا آخر ما يخطر على بالي. كان الإبداع والإضافة دافعِي الوحيد لتناول أي عمل إبداعي. فمثلا، في فصل (إصدارات رائدة أثرت في تكويننا الثقافي) من الكتاب، فرضتْ هذه الإصدارات، في تسلسلِ زمن النشر، نفسها عليَّ، وأردتُ إعادة إنتاج اللحظات والانفعالات الثقافية التي تكونتْ في وعينا عند القراءة الأولى لتلك الأعمال في سنِّ مراهقتنا، والفرح بها، وكيف وجدناها فتحاً ثقافياً ممتعاً وتجديداً تجاوز الجدْب الثقافي القديم، وخروجاً من دوامة الفراغ الموروث.

–  الكتاب لم يصل مطبوعاً إلى اليمن؛ لكنْ حين تسرّبَ بمحتواه تقنياً حَظِيَ بمتابعةٍ لافتة.. كيف تفسر الأمر؟ ليس من زاوية أن صاحبه اسمٌ كبيرٌ ومحترمٌ؛ فذلك أمرٌ لا يختلف فيه خصمان..!

* لعل الكتاب يستجيب لحاجة القُراء إلى مادة للقراءة عن واقعهم الثقافي، ويجيب عن بعض تساؤلاتهم؛ وخاصة أن الحرب قد سحقت كل إمكانية لنمو الصناعات الثقافية، وأغلقت الكثيرَ من المطابع، وسَدَّت فرصَ إنشاء دُورِ نشرٍ محلية، وأعاقت نموَّ المؤسسات الثقافية والصحفية، فكانت كارثةً على قطاعِ ثقافةٍ كان ما يزال يواجه صعوباتٍ كبيرةً، ويحتاج إلى الكثير من الجهود لمساعدته على النمو والإنتاج.

– إلى ماذا ترُدّ حالة الانقسام الثقافي في اليمن؟

لا يوجد انقسامٌ ثقافيٌّ في اليمن حالياً. الحرب أوجدت انقساماً سياسياً واجتماعياً خطيراً، وأعادت بعثَ الكثير من المشاعر البدائية وكشفت الحجابَ عن أقبحِ ما في النفس الإنسانية

* لا يوجد انقسامٌ ثقافيٌّ في اليمن حالياً. الحرب أوجدت انقساماً سياسياً واجتماعياً خطيراً، وأعادت بعثَ الكثير من المشاعر البدائية المنحطة، وكشفت الحجابَ عن أقبحِ ما في النفس الإنسانية، وأعادت الاعتبارَ لتغليب النوازع الغريزية، ودمرت قيمَ التضامن بين اليمنيين وأحبطت سعيَهم الإنسانيَّ النبيلَ لبناء مجتمعٍ عادلٍ منصفٍ يستجيب لحاجة البلاد إلى البناء والتنمية ومكافحة الفقر.

– وبماذا تفسر الدعوات لإنشاء كيانات ثقافية ذات طابعٍ تشطيريٍّ، على نحو تأسيس اتحاد أدباء جنوبي؛ ناهيك عن اصطفاف المثقفين أنفسهم مع أطراف الحرب لأسباب مناطقية، وأحياناً مذهبية فجة، وأن مثقفين معروفين يقودون مثل هذا الفعل؟

لا قيمة لاتحاد الأدباء والكتاب، ولا لأي منظمةٍ ثقافية، إذا تنازلت عن القيم الإنسانية النبيلة.

* هذا جزءٌ من حالة التمزق الاجتماعي والسياسي، وغَلَبة النوازع الغريزية البدائية. اتحاد الأدباء والكتاب نشأ كحلمٍ وكمشروعٍ ثقافيٍّ إنسانيٍّ لتجاوز الركود والانحطاط. وفي كثيرٍ من الحالات، كان الخيمةَ التي نلجأ إليها في أحلك الظروف للدفاع عن الحريات وعن القيم النبيلة؛ وإن تعرَّض أحيانا للضغوط ولمحاولات الاستقطاب. وحتى بعد أن دمرته الحرب، وما أنتجت من تمزقٍ وشتاتٍ، ما يزال مشروعاً مستقبلياً حالماً وحالةً إنسانيةً نبيلةً يعوَّلُ عليها كي تنهض مستقبلاً من رمادها، وتتجاوز مخلفات التمزق ومنتجات الانحطاط الحالي. أفْهمُ أن تنحطّ السياسة الغارقة في العنف والرافعة للبنادق بدلاً من القيم الحضارية والمنتجات الثقافية والفنية؛ ولكني لا أفهم خضوعَ الثقافي للسياسي الحالي.

ولا قيمة لاتحاد الأدباء والكتاب، ولا لأي منظمةٍ ثقافية، إذا تنازلت عن القيم الإنسانية النبيلة، وعن التضامن بين البشر على أساس إنساني، وإذا لم تتخلص من نوازع الكراهية والتمييز على أساس المناطق والقبائل والأفكار والمواقف والنوع… الخ. الثقافة دعوة لتسامي الإنسان وتضامنه وتجاوز كل ما يدعو للكراهية والاعتداء.

–  ولماذا لم يحصِّن نخبهم إرث النصوصية الجمهورية في مبذولها الثقافي في ستة عقود؟

* موضوع هشاشة النخب الثقافية والسياسية والاجتماعية في اليمن الحديث مُعَقّدٌ ومُحبط، بل وكارثيّ. كنا نعتقد أن لدينا أحزاباً ومؤسساتٍ ثقافيةً واجتماعيةً ومجتمعاً مدنياً يتوطّد ويقوَى، وأن لدينا برامجَ تتنافس ورؤىٍ تتصارع ومشاريعَ سياسيةً تتحاور من أجل الدفع بحركة المجتمع إلى الأمام؛ واكتشفنا أننا كنا نبني على أوهام، وأن البندقية هي الثابت الوحيد.

– وهل سيستمر حال مثل هذا طويلاً؟ وكيف نستطيع الإفلات من هذه الكارثة؟

* لا توجد مؤشرات واقعية في اللحظة الراهنة تسمح بدراسة المستقبل والتوصل إلى نتائجَ تتمتع بقدرٍ معقولٍ من المصداقية. الجميع يدور في دوامة الحرب والخراب، بوعيٍ أو بدون وعيٍ، كفاعلين أو كضحايا. ولكن الضرورة الملحة تطرح على جميع اليمنيين البحثَ عن مخرجٍ عمليٍّ من كارثة الحرب، بما يحقق الحد الأدنى من الاستقرار ويسمح بالتفكير العاقل بالعودة للعمل معاً، في سبيل إعادة البناء ورسم ملامح مجتمعٍ قادمٍ يحافظ على الحدّ الأدنى من التضامن الإنساني بين اليمنيين ومن الحقوق والحريات العامة؛ وعندها فقط يمكن التوقف من جديدٍ لرسم ملامح مستقبلٍ واعدٍ لأبنائنا المحاصرين بمحنة الحرب وما تنتج من خراب يسحق الحاضرَ والمستقبل.

 

*المصدر: خيوط