الرئيسية - أدب وثقافة - الروائي المفتون بالسرد… بعضُ حكايات المختبر الروائي

الروائي المفتون بالسرد… بعضُ حكايات المختبر الروائي

الساعة 07:10 مساءً (يمن دايركت- وكالات)

كتب/ لطيفة الدليمي

 

قرأت بإسهاب وتدقيق الردّ الرصين – المكتنز بالكياسة والدقة – الذي كتبه الناقد حسن سرحان في صحيفة «القدس العربي» في باب الثقافة بتأريخ 19 يونيو/حزيران 2020، ولستُ في حاجة للتأكيد بأنني سعيدة بهذا الرد الرصين الذي أجلّ وأحترم.

بعيداً عن موضوع «المشاكسات» النقدية التي قدحتُ زنادها في مقالة سابقة لي منشورة في الصحيفة ذاتها بعنوان «محنة الروائي وانشغالات الناقد الأدبي»، التي آملُ أن تشيع وتصبح عرفاً ثقافياً محبّباً، أودّ تثبيت ملاحظات صغيرة أريدها أن تكون إضاءات لبعض عُتمة المختبر السردي (السردي وليس الروائي فحسب، وسيأتي تفصيل هذا الموضوع لاحقاً)، ولعلّ هذه الإضاءات تشكّلُ مع مقالة سرحان نموذجاً من متوالية نقدية (في نمط يحاكي المتوالية السردية) يُرادُ منها الكشف عن مكامن الثراء الشاسع في القارة السردية (والرواية بعض مناطق هذه القارة):

 

1. الروائي ونظريات السرد الحديثة

 

الكائن البشري مخلوق حكّاء بطبيعته، ولستُ أعرف السبب وراء عدم توصيفه بالإنسان الحكّاء Homo Narraticus بدلاً من الاكتفاء بوصــف الإنسان العاقل Homo Sapiens ذي الحمولة الأنثروبولوجية – البيولوجية الشائعة. المقدرة الحكائية خصيصة ملازمة لتطوّر اللغة لدى الكائن البشري، ويمكن عدّ اللغة بمثابة خزان رمزي، يمكّن المرء من التعبير عن رؤيته للعالم، مستعيناً بآليات معقدة تنتهي سلسلتها في القدرة على التعبير عن العالم بشكل متتالية حكائية من الوقائع العيانية المُسبّبة. تختلف الحكايات وتتلوّن بحسب خبرات الحكّائين وخلفياتهم الثقافية ومقدراتهم العقلية، لكنْ يظلّ المرء حكّاءً في نهاية المطاف، وربما كان وصف (الإنسان الحكّاء)، هو الوصف الأمثل لتطوّر الكائن البشري في سلسلة الارتقاء البيولوجي، بعدما امتلك القدرة على التعامل الرمزي عبر وسيط اللغة.

كلّنا حكّاؤون إذن ابتداءً من الجدّات البسيطات غير المتعلّمات، اللواتي يبرعن في حكي الأقاصيص الساحرة لأحفادهن وحفيداتهنّ، وحتى حَمَلة جوائز نوبل، ولعلّ الجدّات أكثر براعة في الحكي من المتعلّمين، بسبب أنّ قدراتهنّ الحكائية البدائية لم يخدشها التلوث الناجم عن القدرات العقلية المكتسبة اللاحقة التي تعطّلُ عمل بعض المناطق الدماغية التي تعمل على تعزيز وإدامة قدرة السرد الحكائي لدى الإنسان البدائي، وهنا تبدو المقدرة الحكائية (بل حتى اللغة ذاتها) أقرب إلى الغريزة الشبيهة بالغرائز العديدة الأخرى، وعلى هذا الأساس لن يكون أمراً غريباً، أن يعنون أحد أكبر البحّاثة في ميدان علم النفس المعرفي ( وهو البروفسور ستيفن بنكر من جامعة هارفارد) أحد كتبه ذائعة الصيت بعنوان «غريزة اللغة».

 

الرواية فنّ ساحر قلّما ينجو أحد من غواياته المدهشة، وهذه حقيقة لها أسبابها الكثيرة، وفي مقدمتها المقدرة التأثيرية للرواية في عقول القارئين، إلى جانب شيوع اسم الروائيين العالميين، وارتقائهم لمصاف النجوم الكبار، لكن هذه الغواية الروائية مهلكة تتطلب الحذر من تبعاتها السلبية.

 

يتمايز السارد عن الحكّاء في أن السرد يخضع لجملةٍ من الضوابط، لكونه مدوّنة تخدم غرضاً براغماتياً محدّداً يديمُ حياة الكائن البشري، ويوثقّها في هيئة مصنّفات مبوّبة (أسطورة، سيرة، مدوّنات قانونية، سرديات تأريخية…)، أما الروائي فذلك شأن آخر مختلف كلّ الاختلاف عن الكائن السارد، وإذا كنّا كلنا حكائين بالضرورة فلسنا كلنا روائيين، والمقدرة الروائية (والسردية بعامة) ليست غريزة، أو مقدرة فطرية بدائية، بل هي صناعة يقدر على ركوب مركبها الصعب من أوتي عقلاً روائياً قادراً على رؤية العالم والتعبير عنه، بواسطة السرد وأدواته المعتمدة. الروائي – باختصار وبساطة – يسعى لتحويل الحكايات التي تعتمل في رأسه، أو يختبرها في محيطه إلى سرديات محكومة بالوسيط اللغوي وضوابطه، لتكون في النهاية خبرة مضغوطة تعكسُ كيفية رؤية الروائي للعالم الذي يعيشه.

يمكن التعبير عن ثلاثية الحكّاء والسارد والروائي في إطار المقايسة التالية: الحكّاء يعتمد خبرة فطرية، والسارد يعتمد ضوابط التدوين المعتمدة في كلّ مجال معرفي خاص، والروائي صانعٌ يحوّل الحكايات إلى خبرة مصنوعة، مستعيناً بأدوات المشغل السردي ووسائله.

أمّنا – الطبيعة خارقة الذكاء، وتعرف كيف تتعامل مع الكائنات البشرية، لذا نرى القدرة الحكائية خصلة مشاعية بين الكائنات البشرية، لأنها آلية حمائية توفّر للكائن إمكانية التعبير عن حاجاته ومكبوتاته، وبالتالي إدامة مستلزمات وجوده البيولوجي وتوازنه السايكولوجي على الأرض، عبر امتلاك القدرات التواصلية المؤثرة مع الكائنات البشرية الأخرى. أما السرد الخاص بكلّ ميدان معرفي فهو محكومٌ بمستوى تقني ولغوي، يمكّنُ المرء من إفراغ حاجته البراغماتية في صيغة مفهومة ودقيقة، وهي بهذا التوصيف تمتلك قدراً من المشاعية لدى كلّ من امتلك الحدود الدنيا من الإمكانيات اللغوية، والقدرات التقنية الخاصة (علوم، طب، تأريخ، قانون… في حين أنّ القدرة الروائية ليست مشاعية، بل هي مقصورة على هؤلاء الذين لا يأنسون الحياة إلا إذا تمكّنوا من التعبير عنها بوسائل سردية، تمنحهم الإحساس بالتوازن الروحي، والثراء العقلي الناجم عن الإحساس بقيمة الإنجاز.

هل يمكن الحديث عن عقل روائي متمايز عن العقول الأخرى؟ الجواب بكلّ تأكيد: نعم، العقل الروائي تشكيلة خاصة هي أقرب لأن تكون خلطة متوازنة من كل العقول الأخرى (العقل الرياضياتي والفيزيائي والتحليلي والحكواتي والبصري والتشكيلي..)، والروائي صناعة شاقة متطلبة، لكنها لن تنجح إذا لم ينهض بها عقل تكوّن اشتباكاته العصبية في الدماغ تشكلاً روائياً في لحظة الخلق الأولى.

الرواية فنّ ساحر قلّما ينجو أحد من غواياته المدهشة، وهذه حقيقة لها أسبابها الكثيرة، وفي مقدمتها المقدرة التأثيرية للرواية في عقول القارئين، إلى جانب شيوع اسم الروائيين العالميين، وارتقائهم لمصاف النجوم الكبار، لكن هذه الغواية الروائية مهلكة تتطلب الحذر من تبعاتها السلبية.

استهوت الكتابة الروائية في أيامنا هذه كثيرين بمشارب ثقافية ومهنية شتى، وهي ظاهرة تتفق مع اشتراطات الديمقراطية الجندرية والمهنية، ويمكننا تبيّن الروائي الحقيقي بين هذه الكثرة من هواة كتابة الرواية، بأنه ذلك الذي سيعجز عن مواصلة الحياة بعيداً عن الانغمار في متعة الكتابة الروائية، ويتملكه حينها إحساس بنقص جوهري في كينونته الإنسانية، وينتابه الغمّ وغياب المعنى، ويفقد توازنه النفسي، وانتشاءه المدهش، عندما يُحال بينه وبين عملية الخلق الروائي لسبب خارج عن إرادته، وما لم يكن الكاتب كذلك فسوف تغدو كل محاولاته وجهوده الكتابية ضرباً من ضياع الوقت والجهد، فضلاً عن مخادعة النفس.

أردتُ من هذا التمهيد المسهب، إعلاء شأن النظريات السردية، وبخاصة الحديثة منها التي صارت ميداناً تشتبك فيه مباحث علم النفس المعرفي والفلسفة العصبية والبيولوجيا الاجتماعية والتطوّرات الخاصة باللغويات الحديثة، ولا أظنّ أن روائياً جاداً سينطلق في فضائه السردي ما لم يتمرّس بقدر معقول في هذه النظريات، وفي ما يخصّني فإنّ نظريات السرد الحديثة، تمثّلُ واحدة من أكثر انشغالاتي التي لدي هواجس كبرى بشأنها، ولستُ أخفي الحقيقة إذا ما قلتُ إنّ هاجساً ضاغطاً تملّكني منذ بضع سنوات لكي أترجم أحد الكتب المرجعية الخاصة بنظرية السرد الحديث.

 

2. الأسئلة الاستراتيجية في لحظة الشروع بالكتابة الروائية

 

(عندما يجلس الكاتب ليكتب عملاً جديداً فإنه لا يستحضرُ مفردات علم السرد ونظرياته التي قرأ عنها): هذه عبارة أوردتها في مقالتي الأولى وأراها صحيحة، لكنّ مدى صحتها يقتصر على زمان لحظي لا يتجاوز حدود لحظة الشروع، أما النظرية السردية والمتفرّعات البحثية الناشئة، فلا تغيبُ بقدر ما تخلي السبيل للروائي، لكي يوفّر طاقته الفكرية بأكملها، لكي يتناسى بصورة قصدية كل شيء باستثناء سؤالين استراتيجيين: ما الذي أريد كتابته للقارئ؟ وما الوسائط التي تعينني على تمرير ما أريد قوله للقارئ؟ هذان سؤالا اللحظة الراهنة عند الشروع بالكتابة، أما الخزين المعرفي فهو كامن عميقاً في روح الكاتب وعقله، وسوف يُستحضرُ لاحقاً بعد لحظة الشروع وعندما يمضي المشروع السردي في مسالكه المقبولة.

 

لطالما تسبّب لي موضوع الميتافيزيقا بقدر ليس بالقليل من الوجع الإبستمولوجي، وهذا موضوع مبحث نقاشي طويل، لكنني سأكتفي بالقول: ثمة تداخل مفاهيمي غير مرغوب فيه بين الميتافيزيقا، باعتبارها مبحثاً فلسفياً عظيم الأهمية، والميتافيزيقا باعتبارها قرينة للفكر الخرافي.

 

3. السرد فعالية مكتنفة بالسعادة والانتشاء العقلي

 

لا بد للكتابة السردية من أن تكون فعالية مكتنفة بالسعادة والشغف، بدلاً من أن تكون ساحة صراعية تجفّف الروح وترهق العقل، وعندما تغدو الكتابة مكابدة ممتدّة فالأفضل مغادرتها، واعتبارها فعالية غير ذات جدوى، وربما لأجل هذا وصفتُ هذه الفعالية بأنها شبيهة مفاعل ذري مسيطر عليه، فمثل هذا المفاعل هادئ لا صوت ينبعث منه أبداً. بائسٌ هو كلّ نقدٍ يخلع على الناقد الأدبي صفات خرافية وكأنه (زيوس) الذي يسعى الجميع لنيل مباركته المقدسة، ويشاركه البؤس، كل روائي يسعى لعرض مكابداته الدرامية، وكأن السرد مهنة الباحثين عن الشقاء (الفكري والجسدي)، في حين أن الأمور أبسط من هذا. السرد فعالية عقلية محكومة بفعل موجهات رؤيتنا وخبراتنا الشخصية، وطرائق السرد المقبولة والمؤثرة، وكذلك هو النقد فعالية محكومة بالموجهات ذاتها التي تنأى عن التحصّن في قلاع كهنوتية، لا تملك مفاتيحها إلا قلة مختارة من خُلّص البشر، ولا فائدة ترتجى من كلّ نظرة تقصُر الإبداع والموهبة على أنفار منتخبين، بدل تعضيد روح المثابرة والقراءة والارتقاء بالعقل والروح بوسائل مناسبة، وتتعاظم أهمية هذه الرؤية في عصرنا هذا، الذي بات فيه السرد فعالية بشرية معرفية مشتبكة العناصر، يمكن أن تتناول (أي شيء) و (كل شيء) طالما وقع في نطاق الخبرة البشرية المجسّدة أو المتخيّلة.

 

4. موضوع الميتافيزيقا والفعالية الروائية:

 

لطالما تسبّب لي موضوع الميتافيزيقا بقدر ليس بالقليل من الوجع الإبستمولوجي، وهذا موضوع مبحث نقاشي طويل، لكنني سأكتفي بالقول: ثمة تداخل مفاهيمي غير مرغوب فيه بين الميتافيزيقا، باعتبارها مبحثاً فلسفياً عظيم الأهمية، والميتافيزيقا باعتبارها قرينة للفكر الخرافي. في ما يخص الرواية ثمة تحديد إجرائي شديد الدقة أوردت له توصيفاً في مقالتي، ومفاده أن العقل الروائي الميتافيزيقي يتعالى ( بمعنى التعالي الترانسندانتالي الكانتي) على الواقع المادي المحسوس، ولا يكتفي بالحقائق (الصلبة) المُختبرة على الأرض. إن هذه الفسحة الميتافيزيقية ضرورية لتجاوز محدّدات المنهج العلمي المحكومة باشتراطات صارمة، وتمثل نوعاً من ثغرات محسوبة نفتحها في جدران السدود العقلية التي طفحت بمياه الفيضان، وبالتالي يكون تسريب المياه من أماكن مختارة أفضل من تهديم السد على رؤوسنا، وانهدام السد هنا كناية استعارية عن الوهن العقلي والعطب السايكولوجي، اللذين يمكن أن يطالا أرواحنا ويتسبّبا في شيوع نوع من الوهـن العصبي المزمن Neurasthenia . الخصيصة الميتافيزيقية التي تميّز عقل الروائي هي فضيلة كبرى وليست مثلبة، فحتى العلماء الكبار (الفيزيائيون بخاصة) هم ميتافيزيقيون عظام، وغالباً ما يعبّرون عن ميولهم الميتافيزيقية هذه في سياق سيرهم الذاتية المنشورة. الميتافيزيقا بهذا المعنى هي تثوير لنطاق الرؤية وتفجير للممكنات البشرية التي ما كانت ستتاح لولا هذا الحس الميتافيزيقي الجميل.