الرئيسية - أدب وثقافة - الفن مجردا من حداثة التعبير: تهافت تقريرية البث في العمل الفني

الفن مجردا من حداثة التعبير: تهافت تقريرية البث في العمل الفني

الساعة 08:12 مساءً (يمن دايركت- وكالات)

كتب/ خضير الزيدي

«الجانب الإنساني في عمل فني يفتقد لشروط القيمة لجمالية كأعمى يصف لك الموتى».
ما الذي يوفره العمل الفني التقريري من متعة جمالية وبصرية لفنان يحترف الرسم ويمارسه بشكل منتظم؟ ما دوافع ذلك الفنان وهو يعيد إنتاج مشاهد تحاكي صورا فوتوغرافية تسجل معاناة الجنود، بصيغة توضيحية، تم تعديلها قليلا بواسطة حرية حركة الفرشاة التي تتوسل بالسحنة التعبيرية، وتقترب كثيرا من النزعة الأكاديمية؟ كيف لنا كمتلقين احترام عمله الخاص، بعد رؤيتنا لاستعادته الطرائق ذاتها في رسم ويلات الحروب، التي طالعناها في لوحات العديد من رسامي الحرب العالمية الأولى؟ التشابه في وسيلة التعبير صادم، وكأن الرسام غافل عن تطورات الفن في زمانه، الذي هو أيضا زماننا الراهن، هل لوحاته هذه هي نتاج صحوته من سبات الكهف؟ ليأتي لنا باشتغالات تنتمي إلى زمن بائد؟ مثل هذه الأسئلة تجعلنا نعيد النظر في وفرة المعارض التي تقام بين فترة وأخرى لبعض الفنانين العراقيين، فقد بينت لنا المتابعة الجادة والترقب، عن تشويه يمارس ضد المتلقي، وهو إدراك متخلف له منظومته، ليلحق بنا الأذى، ويجعلنا مرتبكين أمام كم هائل من عشرات الأعمال الفنية، التي تظهر لنا حقائقها شبكة الإنترنت، حينما نبحث عن متشابهات، فنجد العجب. فهل تحقق لمن يسرق الفن صورة تبديه فنانا بريئا وناجحا؟ لا أنفي قدرة الفنان سيروان باران على إنجاز رسومات لها تقنيتها وطرائق تنفيذها، بتكنيك ومهارة عاليين، كما أن إمكانيته في التلوين، وخلق وحدات تصويرية منسجمة، تحمل جاذبيتها من حيث الأداء، تجعلنا نسجل الإعجاب بفنه، ولكن كل هذه لن يشفع له حينما يمارس عملية تكرار لنموذج تواصلي أكل الدهر عليه وشرب، ويحسم أمر لوحاته بتبعيتها لفنانين غربيين، لم يعد من الصعب اكتشافهم، إنها من نوع العثرات التي تخزي صاحبها، فلم تعد قابلة لأن تندرج في جملة: لكل حصان كبوة. تختلط عند هذا الفنان العاطفة والتأثير مع عقل جامد لا يحرك ساكنا في الرسم، وهذا التكرار السمج للتقريرية الفوتوغرافية، لن يمر بسهولة لمن يتابع منجزه الفني، ينبغي للمهارة أن تجد مخيلة توازيها لإنتاج فن حقيقي، لكن يبدو أن مخيلته لم تتدرب على اجتراح المتفرد والأسلوب الشخصي، الذي يضمن له التميز والجمال، فما الفائدة من الإمكانية والاحتراف العالي، حينما لا تتصف بالأصالة، لهذا يبدو الاجترار للماضي، عنوانا يهيمن على أغلب أعماله.


في معرض مصر وبيروت قدّم لوحات تتحدث عن الحرب والدمار بأحجام كبيرة، كانت طريقة رسمها تثير عاطفة في المتلقي، لكنها من حيث السياق البنائي تبدو سطحية، لأنها نتاج فن شعبوي ربما نجد ظلاله متواجدة في سوق (الكرادة)، وسيروان له تاريخ في هذا المكان مع أنه غيّب فكرة الرداءة عن رسوماته، وتحولت إلى بضاعة أكثر خطورة، لأن مرجعياتها منكشفة، وهذا يبين لنا مدى ادعاء الكثير من الفنانين بالحداثة واحترام الفن كقضية ووجود جماليين، وسأشير هنا إلى لوحة الفنان الأمريكي جون سينغر سارجنت، الذي أنجزها في بدايات القرن المنصرم، والبالغ طولها 20 قدمًا وارتفاعها 7.5 قدم، إذ تم عرضها في متحف الحرب الإمبراطوري في لندن، ومن ثمة إعارتها إلى أكاديمية الفنون الجميلة فــــي ولاية بنسلفانيا، وفحوى العمل يتناول الجنود البريطانيين الذين أصابهم العـــمى، نتيجة غاز الخردل في الحرب العالمية الأولى، هذا ما تضمنه العمل الفني من مدلول تعبيري، وكان صادقا في ذلك لأنه عاش ويلات الحرب العالمــية الأولى، هذه الفكرة أعاد إنتاجها سيروان وقدّمها في معرضه، وتبينت للمتلقي أنها نتاج مخيلته، ولكن من السخف أن تنقل دلالتها الشكلية بالتفصيل السيئ، الشكل الثابت في العمل الفني يعلن عن تخلفه وأي إثارة في المتلقي سيكون انفعالا قريبا من السخرية، فما الغاية من تجديد خطاب عمل مرّ عليه مئة عام.. إنه الخداع.

الابتكار في الفن يحتاج إلى براعة، والادعاء في أسبقية العمل تكشفه الحقائق، مهما غابت عن رؤيتنا.

العملان في إطارهما العام مستطيلان من حيث الشكل الخارجي، يظهر لنا فيهما جنود منكسرون نراهم معصوبي الأعين جراء الإصابة، يعيد لنا سيروان باران السياق الشكلي لجنود شبه عرايا معصوبي الأعين، تبدو عليهم حالة الذعر والمأساة، وكأن العــــمل يشترك في إيضاح فكرة الحرب العالمية الأولى، هذا التجاور البنائي والتعبيري، لا يعزز خطابا فكريا يتناول سيروان من خلاله آثار الحرب، لأنه لم يحسن التخاطب مع المتلقي طالما مرجعية العمل ليست له.
يشير بيير جيرو في كتابة «علم الإشارة» إلى العلة فيقول: «العلة تحرر الإشارة من التواضع، كما أن بعض الإشارات ذات التمثيل البحت تستطيع أن تعمل خارج كل تواضع مسبق»، ولهذا بقيت مقولته راسخة في أذهاننا حينما قال لكل إشارة جوهر وشكل، فكيف إذا كان الشكل مستلبا ومسروقا؟ لم تكن أعماله محررة بشكلها التعبيري بعد طغيان سلسلة التأثيرات العاطفية، ولهذا تراها وكأنها نسق صوري يعيد لنا زخرفة باهتة تقيض استدلالاتها الضرورة الشكلية، وكل ذلك نتيجة حتمية لهيمنة المدلول وإعادة فكرة يتنكر لأساسها الأول، إذن، لا وجود لابتكار شكل، في هذه الرسومات توجد صفة أسلوبية مستلبة، لم يهيأ لها التبرير لاستعراضها، ما يترك في نفس المتلقي صدمة من إعادة رسومات سابقة. هناك مثال آخر لإعمال تأثر بها سيروان وأعاد سياقها الشكلي، وهو الفنان هوبير دوبريلوت، بعد إعادة تشويه وجوه القادة العسكرية بطريقة الفنان أعلاه نفسها، وباللباس ذاته، والبورتريه التعبيري المشوه ذاته، ألا يعد ذلك مشهدا مشوشا يخلو من سمات أخلاقية في التعامل مع الفن؟ نعم كل هذا التنفيذ لا يعطل الغاية والرؤية، إذا لم ينم خطا فكريا داخل منظومة العمل الفني. اعتقد أن الابتكار في الفن يحتاج إلى براعة، والادعاء في أسبقية العمل تكشفه الحقائق، مهما غابت عن رؤيتنا. لا لأن سيروان ماهر في إثارة الدهشة، حينما يقف المتابع لأعماله لكن الاختباء تحت معطف مثقوب، سيشد الناظر إليه إلى أن يتحقق في الأسباب والمغايرة، فكل عمل فني استثنائي هو محاولة ناجحة مع أن الكثير من المحاولات الفاشلة لا تغير المسار الفني لصاحبها، طالما هناك موضع احترام لذاته، يبقى الرسم مشاركة وجود، ولعل أعلى مراتبه الصدق قبل التخيل، فكيف إذا عمد الفنان إلى مخادعتنا؟

٭ كاتب وشاعر عراقي