الرئيسية - تحقيقات وتقارير - صراع مريب على هوية القائد شيشناق بين أمازيغ ومصريين وطالع الجزائر لهذا العام

صراع مريب على هوية القائد شيشناق بين أمازيغ ومصريين وطالع الجزائر لهذا العام

الساعة 12:59 مساءً (يمن دايركت- وكالات)

 مريم بوزيد سبابو

في الأمس فقط كانت توقعات المحللين والفلكيين لسنة 2021 وكيف سيكون طالعها على بلدان العالم والبلدان المغاربية، وكل بلد استلت ما يخص شأنها ونشرته عبر مواقعها الإلكترونية ونقلتها التلفزيونات المحلية ومواقع التواصل الاجتماعي.

الأكثر قراءة:

 

39

لا يبدو أن سيناريو الجزائر أفضل حالا من غيره، في ظل الأوضاع العامة المتردية على جميع الأصعدة. وحياة الناس فيها لن تكون سهلة بالمرة، وتباشير هذا واضح في البطالة، التي تتزايد وارتفاع الأسعار الجنوني، والذي برز منه جانب ارتفاع المعجنات، مهرب الجزائري متواضع الدخل ليسد جانبا من حاجياته الأساسية والبيولوجية.

لكن لم يظهر أي تنبوء أو توقع عن سنة 2971 الأمازيغية، وهل ستكون سعيدة وتشذ عن القاعدة بكل صور التزويق والتنميق والأسطرة والهالة التي تحيط باحتفالات رأسها: يناير… ستكون احتفالات رسمية تحت أرجل «شيشناق العملاق» وستتهاطل المعلومات علينا. بينما ينتظر المواطن حلا لأزماته، يبرز المرفهين الباحثين عن تاريخ قديم غير مؤكد وغير مدروس .

وتظهر فتاوى لتحريم وتحليل الاحتفالات بهذه المناسبة. نحن على كف عفريت. وستتساوى أقدارنا عربا شرقيين كنا أم مغاربة. وسنهتز على وقع زلازل أرضية وسياسية واقتصادية، وستكثر مواجهاتنا مع أنفسنا أكثر من مواجهاتنا مع الغير. وسندخل في متاهة وفوضى، لا سمح الله. ومع هذا فثقة الأمهات في الله لا تتزعزع. ويرددن الله أكبر من الجميع. وقادر على تغيير السيناريوهات الأكثر سوداوية إلى خير.

 

عودة شيشناق من منفاه

 

انطلقت الاحتفالات الرسمية في يناير/كانون الثاني لسنة 2971 في الجزائر، هذا العام من بلاد الشاوية وفي مدينة منعة تحديدا. لكن الحداث الذي شكل جدلا كبيرا على مواقع التواصل الاجتماعي جاء من مدينة تيزي وزو، بعدما انتشرت صور تنصيب تمثال «الملك شيشناق» بالقرب من متحف المدينة. وأمام صمت رسمي على الأمر. لا نعرف من تفاصيل ذلك سوى اليسير. التمثال من تصميم الفنانين حميد فردي وسمير سالمي. والتدقيق التاريخي أوكل للدكتور حارش أستاذ التاريخ. لم نجد الكثير من التفاصيل ما عدا لقاء جمع الباحث في التاريخ الدكتور حارش في مكتب في مقر ولاية أو بلدية تيزي وزو، حيث تكلم لميكروفون «النهار» عما حدث.

 

خبرة الدكتور حارش

 

منذ سنة جاءت فكرة تمثال شيشناق، وهو مشروع المجلس الولائي لمدينة تيزي وزو، هذا الأخير الذي أراد أن ينجز التمثال بمقاربة أكاديمية تاريخية وبإعطاء الصورة الحقيقية للشخصية. ولأجل ذلك تم استدعاء الباحث في التاريخ الدكتور حارش، الذي صرح لقناة «النهار» وقتها بأنه كان قد اشتغل على الموضوع قليلا. وكتب له السفر إلى مصر فقام بالتقاط صور لشيشناق وملابسه ونعاله، وما كان يرتديه من أقنعة ذهبية.. وهذا لتقريب الصورة للفنانين وتسهيل العمل لهم. لكن هل هذا معقول بدون حقوق مؤلف وتأشيرة إدخال ممتلكات مادية ثقافية. وبدون رسوم جمركية؟ هل يمكن تصوير أي معلم ونقوم بتقليده دون أن يثير هذا تساؤلات «أخلاقية»؟ ألم ننتفض عندما عرض رأس يوبا الثاني باسم المغرب في أبوظبي. كلنا في التعدي مغارب!

وتبقى مسؤولية الباحثين خارج أجندات السياسيين والمطالبات الهوياتية المتشنجة للحسم في مسائل «شائكة» نكررها كل سنة، ونشرعنها ونصنع لها تماثيل.

كم سيكلفنا هذا التمثال المقلد التقريبي من أموال من خزينة الشعب. الشعب الذي سيصحو وينام شبعانا بالتعلق بتنورة شيشناق، كما يتعلق بأستار الأضرحة!

فقد كلف تمثال ماسينيسا أكثر من 120 ألف دولار. ولم يدخل لحد الساعة فلسا من سياحة مزعومة. فكم كلفنا تمثال شيشناق؟

ماذا لو تركتمونا نحتفل بطقوس يناير الفلاحية، ربما ستزدهر الفلاحة من جديد وتتحسن حياتنا ويزدهر اقتصادنا ولا ندخل بذورا مسمومة من ليتوانيا أو من غيرها.

دون السفر في تاريخ قديم لم يحل لغزه العلمي عندنا أحد، ولم تصل حفرية لنتائج توحي بأن شيشناق كان «جزائريا». وبما أنه كان من الشعوب الليبية التي تتمدد من هنا حتى بلاد المغرب، لماذا عذبتموه ولم تتركوه يرتفع في واحة سيوة أو إحدى الواحات الليبية؟ أم خشيتم عليه من الأزمات الإقتصادية والحروب. وجئتم به لينعم بالأمان هنا. أم جاء ليشعل فتنة نحن في غنى عنها؟ أي شيء لا نفهمه نربطه بشيشناق. تقويم سنوي مختلف. لباس. فكرة عبقرية في نهاية المطاف. هل كتب شيشناق بالتيفيناغ أم بالخط الهيروغليفي؟!

هل صرح بأنه ليبي من أي من البلدان المغاربية الحالية؟ فعلا نحتاج لإجابة صريحة من الرجل الذي خلدناه بتمثال. والأمر لا يحتاج لتأويل فقط وخطاب للهوية وإن كان وهميا بل يحتاج لحسم. وإن كان منا وعلينا فسنقيم له تماثيل في كل مكان مرت به الشعوب الليبية. نحتاج لعلاج نهائي من وباء «الهوية» غير المحددة باليقين.

 

شيشناق المصري… والخرافة الجزائرية

 

صفحات كثيرة نقلت الخبر بحماس وفخر عن الموضوع وأخرى تطرقت للموضوع بأسف خاصة بعدما نقلت ما كتبه الباحث والروائي المصري «محمد الإدريسي» عن الحدث، تحت عنوان: «خرافة شيشانق( كما كتبها الباحث المصري) وأزمة الهوية في الجزائر» والذي طرح عدة أسئلة، والسؤال الأول جاء فيه: «شيشانق ابن مدينة إهناسيا، ابن محافظة بني سويف المصرية الواقعة في قلب مصر وفي وريد وادي النيل ما علاقته بالجزائر؟

والسؤال الثاني، الذي طرحه: «ماعلاقة شيشانق، الذي ولد وعاش ومات في مصر بالجزائر؟ وما علاقة السنة الفلاحية الأمازيغية بشيشانق؟ ما علاقة شيشانق الكاهن ثم الضابط ثم الجنرال الأعظم والقائد العام للجيش المصري بالجزائر؟

ويواصل قائلا: «أنا امتلك الدليل القاطع أنه مصري وأمتلك حتى ما دونه هو بخط يده على معابده وعن سيرته التي كتبها كفرعون مصري مبجل لأرض مقدسة، ماذا تملك أنت؟ بهذا المنطق سأقول دونالد ترامب مصري وأخترع القصص حول ذلك ولا يستطيع أحد تكذيبي طالما أنه لا قيمة للعقل وللمنطق!

وواصل في سرد أفكاره، التي يمكن تلخيصها فيما يلي: اعتبر أن للجزائر هويتها الخاصة ورونقها، هذه الهوية المهددة من الحركات الانفصالية مثل «الماك» التي تنسب الجزائر لحضارة غير حضارتها ولشعب ليس شعبها، علاوة على سرقتها للتاريخ المصري. والجزائر، يقول: « … لا تحتاج أن يسرق أحد تاريخ مصر ويضيفه إلى تاريخ الجزائر قسرا، الجزائر لديها هويتها الخاصة الجميلة والفريدة.

ثم يواصل منتقدا الانفصاليين: «هم ليسوا فقط يشوهون صورة الجزائر في الأوساط العلمية المختصة بالتاريخ عموما وبعلم المصريات خصوصا، لكن يزورن هويتهم ويفرضون أنفسهم علينا فرضا. لا توجد جامعة واحدة أو مركز بحثي معتبر في العالم كله يقر بهذه الخرافات، في جميع اقسام التاريخ وفي كل جامعات العالم المشهورة والمغمورة ستجد أن شيشانق فرعون مصري، تسلم الحكم بعد انتخابه من قادة أفرع الجيش المصري. لكن حسب الخرافة المنتشرة في عدة مناطق جزائرية أن شيشانق خرج على رأس جيش عرمرم لمحاربة رمسيس الثاني أو رمسيس الثالث لتحرير مصر من الظلم وانتصر على الفراعنة في عقر دارهم؟

ويصف هذا القول والتصور «بالخيال الطفولي المريض والمثير للسخرية والشفقة» ويواصل: «من المؤكد أن من قام بتأليف هذه الأضحوكة لا يعرف من هو رمسيس الثاني ومن هو رمسيس الثالث، لا يعرف أن هذا هو عصر الإمبراطورية المصرية الحديثة وعصر المجد العسكري ولا يعرف أن رمسيس الثاني أخضع تقريبا نصف العالم القديم لنفوذه، ولا يعلم كذلك أن رمسيس الثالث هزم بمفرده كل شعوب البحر الأبيض المتوسط في معركة شعوب البحر الشهيرة. إمبراطورية متنفذة بهذا الحجم يأتي شيشانق من الجزائر الواقعة على بعد آلاف الكيلومترات ويهزمها هكذا ببساطة؟!

وجلالة الرمسيسين الأول والثاني توفيا تباعا عام 1213 و1155 ق.م، أي قبل تولي شيشانق الحكم سنة 950 ق.م…فكيف حارب وانتصر على فراعنة ماتوا قبل ولادته أصلا بـ 250 عاما؟ هل سافر عبر الزمن مثلا؟

 

لا ذكر لشيشانق في كل التراث

 

قبر الرجل اكتشف في 1940 في مصر. ولم يعلم الأمازيغ بوجوده أصلا. لكن اغتصبوه بالقوة في الثمانينات. فيضيف محمد الإدريسي: «مهزلة كبرى وسرقة علنية وغبية، وأتحدى أكبر عالم أمازيغي في شمال افريقيا وفي العالم أن يأتي بدليل اركيولوجي واحد على وجود شيشانق في الجزائر أو في أي منطقة غرب مصر عموما. وهذا التحدي مفتوح إلى يوم القيامة. ويختم مرافعته قائلا: «ما يحدث سرقة علنية لتاريخ مصر، عيب وعار على مثقفي الدولة الجزائرية أن يسمحوا بهكذا ترهات، لكن يجب أن تتحرك وزارة الآثار المصرية ووزارة الثقافة بشكوى ضد الجزائر للأسف في اليونسكو، كما فعلتها مصر ضد الصين سابقا ونجحت في اجبار الصين على هدم تمثال أبو الهول المزيف هناك. أقول ذلك وقلبي يعتصر ألما، وأعلم أن مصر لن تقوم بذلك».

نعم مصر لن تقوم بفعل شيء، لأنها تعلم أن لا أحد يأتي لزيارة نسخة شيشناق الحقيقي، الذي كتب تاريخه بيده. شيشناق الذي يلبس أقنعة ذهبية. بينما ضاع ذهبنا في السوق السوداء. في زمن أصبح التنقيب عن الذهب متاحا في صحرائنا ولم يعد من التابوهات الاقتصادية!

 

كاتبة من الجزائر

 

المصدر: القدس العربي