الرئيسية - تحقيقات وتقارير - هل تحوّل الحوثيّون من التشيّع الزَّيديّ إلى الإثني عشري؟

هل تحوّل الحوثيّون من التشيّع الزَّيديّ إلى الإثني عشري؟

الساعة 01:07 مساءً (يمن دايركت- وكالات)

حامد فتحي


(يا طير خبّر بالخبر، فاطمة استشهدت، ولم يعرف لها قبر، أئمتي إثني عشر، أوّلهم الحيدرة، وآخرهم المنتظَر).

20

في أحد الفصول الدراسية في شمال اليمن، يجلس تلاميذ في المرحلة الابتدائية، في صفَّين من المقاعد؛ أحدهما للأولاد، والآخر للبنات، وبينهما فراغ كبير، وقف معلم حوثيّ يلقّن التلاميذ النشيد السابق، بينما يلطمون على صدورهم، والمعلم يحثّهم على اللّطم بقوّة، وفق فيديو مُسرَّب، نشرته وسائل إعلام يمنيّة.

ويثير ما سبق العجب حول نشر الحوثيّين لأفكار المذهب الإماميّ الإثنَي عشري في المجتمع اليمني، رغم أنّهم شيعة زيديّة، يختلفون كثيراً في العقائد والنظريّة السياسيّة.

عاش بدر الدين الحوثي لسنوات في إيران والتقى الخميني

ويزول العجب بما يطرحه باحثون يمنيون عن التحوّل العقائديّ لبيت الحوثيين، من الإمامية الزيديّة إلى الإثنَي عشريّة، منذ الثورة الإيرانيّة، عام 1979، وأنّ الارتباط الحوثي الإيراني ليس وليد ما بعد الربيع العربي، بل يمتدّ لعقود بدأت بالتلقين العقائدي والفكري، وصولاً إلى التنظيم السياسي ثم الدعم العسكري.

 

وعلى عكس حزب الله في لبنان، الذي نشأ في بيئة إثني عشرية، يعمل الحوثيون جاهدين على تحويل المجتمع اليمنيّ في مناطق سيطرتهم إلى الإمامية الإثني عشرية، لخلق كتلة بشريّة ضخمة تدين بالولاء للمرشد الإيرانيّ، بعد ما سبق ودان البيت الحوثيّ بالولاء له.

 

الثّورة الإيرانيّة والحوثيّ

ينتمي البيت الحوثيّ إلى بيوتات الإماميّة الزيديّة، التي تنتسب إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ويجمع مصطلح الزيديّة، أو الهادويّة، فرقاً عديدة تتفق جميعها في أنّ الإمامة يجب أن تكون في نسل الحسن والحسين، وتُعقد للإمام الذي يثور على الظّلم، خلافاً للإماميّة الإثنَي عشريّة التي تحصر الإمامة في إثنَي عشر إماماً، من نسل الحسين، منصوص عليهم، وآخرهم الإمام الغائب، المهدي المنتظر، محمد بن الحسن العسكريّ.

وهناك فرق إمامية عديدة، تتفق مع الإثني عشرية في حصر الإمامة في نسل الحسين، والنصّ على الإمام، لكن تختلف في هوية الائمة، ومنها الإمامية الإسماعيلية، وغيرها من الفرق التي اندثرت.

 

الصحفيّ اليمنيّ، همدان العليي

وأدّى الاعتقاد الزيديّ إلى نشوء بيوتات عديدة تدّعي الإمامة، وهم أقرب إلى السنّة، ويتراوح هذا القرب، بحسب كلّ فرقة، وتُعرف الزيدية في اليمن باسم الهادوية أو الجارودية.

ومع سقوط الإماميّة في اليمن، عقب ثورة 26 سبتمبر عام 1962، تكيّفت معظم البيوتات الزيديّة مع الواقع الجديد، وقبلت بالجمهورية والمساواة بين الجميع في الحكم، لكن أدّت الثورة الإيرانية التي قامت على إحياء النظرية الإمامية عبر ولاية الفقيه إلى تحوّلات كبيرة داخل أحد البيوتات الزيديّة، وهو البيت الحوثيّ، بزعامة بدر الدين الحوثيّ.

اقتحمت الميليشيات الحوثية مدرسة للبنات بصنعاء، بهدف فرض شعار الصرخة، بعد أن رفضت الطالبات ترديدها، فعمدوا إلى مهاجمة الطالبات وإفزاعهن بإطلاق الرصاص الحيّ

وعن تأثير الثورة الإيرانيّة على الفكر الحوثيّ، يقول الصحفيّ اليمنيّ المتخصّص في الشؤون الحقوقيّة والإنسانيّة، همدان العليي: "تقبّل علماء الزيديّة النظام الجمهوريّ، حتى الثورة الإيرانيّة التي تأثّر بدر الدين الحوثي بها، وزار إيران، وبدأ في إيفاد آلاف الطلاب اليمنيين للتعلم في حوزاتها، وتسرّبت الإثنَي عشريّة إليهم، ونقلوا عن إيران المفاهيم والمصطلحات السياسيّة، وتوظيف القضية الإسلاميّة والصّراع العربيّ الإسرائيليّ كمبرّر للتوسّع والهيمنة".

 

ويؤكّد على ذلك، رئيس مركز نشوان الحميري للدراسات والإعلام، عادل الأحمدي، أنّه "لا يوجد زيدية في اليمن، هم هادوية، وتنتمي الحوثية إلى أكثر التيارات المتطرفة داخل الهادوية، ولم تنتعش إلا بسبب الثورة الإيرانية، التي عملت على تصدير أيديولوجيتها في دول عدة، منها اليمن، وجرى تلقيح الهادوية الحوثية بالأطروحات الجديدة للإثنَي عشرية".

 

الابتعاث إلى الحوزات الإيرانيّة

على مدار أربعة عقود، عمل الحوثيّون على تكوين كادر عقائديّ عبر الابتعاث إلى الحوزات الإثني عشريّة، في إيران ولبنان والعراق، وعاد هؤلاء الطلاب محمّلين بـ الأيديولوجيا السياسيّة الإيرانيّة، وأفكار عقديّة مغايرة للبيئة اليمنيّة، واتّبع الحوثي مبدأ التقية في الإعلان عن هذا التحوّل، حتى السيطرة على صنعاء، عام 2014، لتظهر بعدها مظاهر كثيرة تكشف التغيّر الفكريّ الكبير الذي حدث بين الشيعة الزيدية / الهادوية في اليمن.

 

رئيس مركز نشوان الحميري للدراسات والإعلام، عادل الأحمدي

وذكر الصحفيّ همدان العليي، في حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ دبلوماسيّاً يمنيّاً في إيران نقل إليه "وجود آلاف الطلاب اليمنيين للدراسة في الحوزات الإيرانيّة، لم يدخلوا البلاد بشكل رسميّ، بل ربما عن طريق مساعدة حزب الله".

وتنتشر الأدبيات السياسية للإثني عشريّة الإيرانيّة، شمال اليمن، عبر الترجمات وإصدارات الكتب التي تُدرس في المراحل التعليمية، ويقول عادل الأحمدي، في حديثه لـ "حفريات"، عن التغلغل الفكري الإيراني: "المرجعيات  الحوثية تعلمت من مؤلفات واصدارات ايرانية، وحدث نوع من إعادة التأهيل لأشخاص يتم إرسالهم من اليمن الى حوزات الإثنَي عشرية، عبر ما يقارب 20 عاماً، إلى ما قبل تمرّد الحوثيّ، عام 2004، ومن بينهم حسين الحوثيّ، ووالده، ومئات الأشخاص الذين تلقّوا دورات في مشهد وقم وطهران".

 

وترتّب على ذلك دخول تأثيرات إيرانيّة كبيرة على الشارع اليمنيّ، يقول عنها الكاتب والباحث السياسيّ اليمني، والسكرتير الإعلامي بمؤسسة الرئاسة، ثابت الأحمدي "الشيعة اليمنية جارودية المذهب، لكنها إثنا عشرية التكتيك السياسي؛ بمعنى أنّها استفادت من التجربة الخمينية، بعد عام 1979، ونقلت إليها بعض الجوانب التنظيمية والسياسية، كشعار الصرخة مثلاً، والذي يعدّ شعاراً خمينياً في الأصل. أيضاً باحتجاب المرشد عن الناس والمبالغة في ذلك، لإضفاء الهالة عليه، لا سيما مع الدعايات الكبيرة بشأنه، كما يفعل حسن نصر الله في لبنان".

 

الكاتب والباحث السياسي اليمني، د. ثابت الأحمدي

ويردف ثابت الأحمدي، لـ "حفريات"، عن مظاهر التغيير الأيديولوجي في اليمن: "انتشرت الاحتفالات العاشورائية، مع ما يصحبها من الندب والتطبير واللطم، وصحيح أنّها موجودة منذ بداية الإمامة القاسمية، لكن كانت بشكل خفيف، ومجرد ذكرى عابرة، يخرج الناس لما يُعرف في اليمن بـ "النّصع"؛ وهو إطلاق الرصاص على هدف معين في صورة من صور المباهاة واستعراض المهارة فقط، ثم يعودون لبيوتهم، أما في عهد الحوثي فقد تحوّلت هذه المناسبة إلى مظهر خمينيّ، كما هو الشأن في العراق ولبنان".

 

فرض التشيّع الإيرانيّ بالقوّة

وكشفت وسائل إعلام يمنيّة العديد من الفعاليات الحوثية لنشر الفكر الإثني عشري بين صفوف اليمنيين؛ خاصّة الأطفال الذين لا يملكون القدرة على التمييز بين الأفكار، ويمثّلون بيئة خصبة لزرع الأفكار، في ظلّ هيمنة الحوثيين على الإدارة في شمال اليمن، الذي يعيش ثلثي السكان فيه.

وينتهج الحوثيون مقاربتين لنشر الفكر الإثنَي عشري؛ الأولى عبر الترغيب، والثانية عبر التهديد والإقصاء لمن يعارضهم.

ويرى الصحفي العليي؛ أنّ الحوثيين شرعوا في تغيير المجتمع، عقب سقوط صنعاء بيدهم، عبر عدّة مراحل؛ أولها التجريف الفكري للمناوئين لهم، حتى داخل البيوتات الزيدية، وهي إستراتيجية إيرانية تعرف باسم "حرث الأرض"، عبر السيطرة على المدارس والجامعات والإعلام والجهاز الإداريّ الحكوميّ، وحتى التغيير الديموغرافيّ، ثم نشر الأيديولوجيا الإيرانية.

 

الباحث ثابت الأحمدي لـ"حفريات": ارتمت جماعة الحوثي في أحضان إيران لإثبات الولاء، ولا تتقاضى من إيران نصف ما يتقاضاه حزب الله في لبنان"

ودأب وزير الإعلام اليمني، معمّر الإرياني، على التحذير من مخططات الحوثيين وإيران لتغيير الفكر اليمني إلى الإثني عشرية، وكتب مطلع العام الجاري، عبر تويتر: "هناك محاولات ممنهجة من إيران لتزييف الوعي الوطني، وطمس الهوية اليمنية وتعميم الشعارات والطقوس الإيرانية، وتمجيد رموز الإرهاب الإيراني وتحويل تلك المناطق إلى مستعمرة إيرانية".

 

ونشرت صحيفة "الشرق الأوسط"، في آذار (مارس) 2020، تقرير حول إجبار الحوثيين للطلاب على الالتزام بالمظاهر الطقسية للإثني عشرية؛ "في واقعة مماثلة اقتحمت الميليشيات الحوثية مدرسة للبنات بصنعاء، بهدف فرض الصرخة، بعد أن رفضت الطالبات ترديدها، فعمدوا إلى مهاجمة الطالبات وإفزاعهن ورمي الرصاص الحيّ، وملاحقتهن في فناء المدرسة".

 

وفد حوثي في لقاء المرشد الإيراني، علي خامئني

وعقب سيطرتهم على صنعاء، عام 2014، أنشأ الحوثيون لجنة قامت بمراجعة مناهج المدارس الابتدائيّة والثانويّة لتناسب أيديولوجيتهم، وتدرّجت الجماعة في فرض رؤيتها الاجتماعية على الشعب اليمني.

 

وفي آذار (مارس) 2019؛ أجبرت ميليشيا الحوثي المعلمين في عدد من المحافظات على المشاركة في الدورات العقائدية، وتهديد من يتغيّب بإسقاط اسمه من كشوف الرواتب، وفق ما نشره موقع "العين" الإخباريّ.

وعام 2014؛ أسسوا قسم اللغة الفارسية، في كلية اللغات، بجامعة صنعاء، وتخرّجت الدفعة الأولى العام الماضي، وحملت اسم "دفعة قاسم سليماني"، وضمّت طلاباً مقرّبين من جماعة الحوثي، ويتبنون أيديولوجيتهم، وتكوّن الكادر التعليمي من حوثيين درسوا في إيران، وأعضاء من الملحقية الثقافية الإيرانية في صنعاء.

 

ما بين الحوثي وحزب الله

وبخلاف التحذيرات التي تخشى من تحوّل الحوثي إلى حزب الله اليمنيّ، يرى الصحفي همدان العليي؛ أنّ خطورة الحوثي تفوق حزب الله بكثير؛ فالأخير لم يفرض أفكاره على المكوّنات اللبنانية الأخرى، أو على المناهج الدراسية، بينما الحوثي يعمل على تحوّيل كتلة بشرية كبيرة من السنّة والهادوية إلى الفكر الإمامي الإثني عشري.

 

ويقول العليي: "يعاقب الحوثيون من يقاومهم بالترهيب والتجويع؛ عبر قطع المساعدات والحرمان من الوظائف، وهم ليسوا ميليشيا كحزب الله ضمن مجتمع متنوع، بل يسعون لأن يكونوا إيران أخرى في الجزيرة العربية، وهو أمر فائق الخطورة".

ويرى رئيس مركز نشوان الحميري للدراسات والإعلام، عادل الأحمدي؛ أنّ تحوّل الحوثيين إلى الأيديولوجيا الإثني عشرية لن يعني تماهيهم تماماً معها، بل سيحدث تطعيم ينتج أيديولوجيا أخطر، "الهادوية أخطر من الإثني عشرية؛ لأنّ لديها آليات لاستمرار النظرية، كونها تجيز الحكم في البطنين؛ الحسن والحسين، بخلاف التكلس النظري في الإثني عشرية، التي اضطر منظّروها لابتكار ولاية الفقيه، لكنّ الخزعبلات في الإثني عشرية أكثر من الهادوية".

 

وتعمل بيوتات الهادوية بتناغم رغم الاختلافات الطفيفة بينها، وتدور جميعها في الفلك الإيراني، ويقول ثابت الأحمدي: "ارتمت جماعة الحوثي في أحضان إيران مجاناً، لمزيد من إثبات الولاء، ومن دون مقابل، ولا تتقاضى من إيران نصف ما يتقاضاه حزب الله في لبنان، أو بشار الأسد في سوريا. أي أنّها تمارس ارتزاقاً بثمن بخس. متفاخرة بذلك، إلى حدّ رفع صور بعض الشخصيات الإيرانية داخل العاصمة صنعاء، بكلّ فجاجة ووقاحة، كما فعلوا مع صور قاسم سليماني".

 

المصدر: حفريات