الرئيسية - أخبار محلية - باحث يثبت العلاقة الوثيقة بين اليمن وبلاد الشام قبل الإسلام

باحث يثبت العلاقة الوثيقة بين اليمن وبلاد الشام قبل الإسلام

الساعة 10:21 صباحاً (يمن دايركت- متابعات خاصة )

التوظيف الأيديولوجي للبحث الأثري:

محمد مرقطن نموذجاً

65

**

يعنى هذا المقال بالتعقيب على بحث بعنوان: "حول العلاقات ما بين بلاد الشام واليمن قبل الإسلام"، للباحث الأثري الأستاذ محمد مرقطن، والذي عني فيه بنقش قتباني جديد مكتوب على لوح برونزي، إلا إن موضوع المقال يقتصر فقط على تفنيد ما تضمنه البحث من تقرير غير موضوعي بأن الموطن الأول للسبئيين هو بلاد الشام.

**

فيما يتعلق بالجانب العلمي حول مدى صحة هذا القول من عدمها، أحيل القراء الأعزاء الى دراسة حديثة صدرت عام 2019 للدكتور عارف المخلافي، بعنوان: الموطن الأول للسبئيين، والتي تضمنت تفنيداً علمياً دقيقاً ورصيناً لما طرحه (مرقطن) في البحث المشار إليه آنفاً، بل وللنظرية برمتها؛ إذ خلصت دراسة المخلافي الى أن الموطن الأول للسبئيين هو جنوب الجزيرة العربية (اليمن)، وأن ثقافتهم وخبرتهم لم تكن تحتاج إلى هجرة خارجية لأجل تطورها؛ وأنه لا يوجد أي أساس علمي أو منهجي لفرضيات الأصل الخارجي للسبئيين، وعلى وجه الخصوص الفرضيات التي ظهرت بعد موت ما عرف ب"الفجوة الثقافية"، بعد اكتشاف العصر البرونزي في اليمن، الذي كان مفقوداً حتى مطلع ثمانينيات القرن العشرين الميلادي.

..

دراسة المخلافي تغنيني عن الخوض في أي رد على الأستاذ محمد مرقطن.

**

أما ما أريد أن اتطرق إليه، فيتعلق بالانحرافات المنهجية التي وقع فيها (مرقطن) من ناحية، وبما يعرف بـ "اللغة الواصفة"، أي اللغة التي استخدمها (مرقطن)، وكيف أنها تجافي روح الموضوعية العلمية، وتتنافى مع معيارية الحياد في الطرح العلمي الرصين، وذلك من ناحية أخرى.

(1). الانحراف المنهجي:

انطلق مرقطن في بحثه من مقدمة تعنى بـ "علاقات بلاد الشام باليمن قبل الإسلام في ضوء النقوش الجنوبية"؛ إذ قرر ابتداءً أن "من الصعب رسم صورة متكاملة عن هذه العلاقات"، ومع ذلك، فإنه يقدم بحثه باعتباره محاولة لوضع مخطط أولي لها بالاعتماد على النقوش العربية الجنوبية.

يقول مرقطن: (الكثير من الباحثين) يرجعون أصول شعوب جنوب الجزيرة العربية الى الألف الثاني ق. م، ويربطونها بالتحركات البشرية في بلاد الشام في هذه الفترة، وقد أخذ (الغالبية من الباحثين) بفرضية أن هجرة السبئيين كانت من الشمال- وبالذات من بلاد الشام.

لكنه يستدرك مناقضاً ما قاله، قائلاً: "إلا أن هذه المسألة تبقى محل جدل ونقاش".

ثم يعود ويقول: "(شدد) (الكثير من الباحثين حديثاً) على مسألة هجرة مجموعات بشرية من الشمال، وبالذات من فلسطين الى اليمن، وأن هذه الهجرات كانت سبباً لنشوء الحضارة في جنوب الجزيرة العربية، ويشير مرقطن في معرض تدعيم هذا الرأي الى دراسة (نوبرت نيبز) الذي (يشدد) على أن السبئيين قد هاجروا من فلسطين في فترة ما من نهاية الألف الثاني ق. م، وأن شعب سبأ الأوائل كان أحد الشعوب الكنعانية، على نحو ما تدل عليه (الكثير) من الشواهد اللغوية المشتركة ما بين اللهجات الكنعانية- وبالذات عبرية التوراة- والسبئية، ما يعني أن الخط الجنوبي (المسند) قد جاء من بلاد الشام أيضاً مع تلك الهجرات.

يرتبك (مرقطن) ويتراجع لاحقاً ويقول أن الشواهد التي قدمها (نيبز) ليست كافية لتقرير أن السبئيين قد هاجروا من الشام واستقروا في اليمن، وفي نفس السياق يقدم رأياً لا يخرج عن رأي (نيبز)، فيقول: "يمكن القول بوجود أصول مشتركة بين السبئيين والكنعانيين أكثر من وجود علاقة مباشرة ومتزامنة بين (اللغتين)"، ويتساءل مرقطن: لماذا يترك السبئيون أرض فلسطين الخصبة ليقطعوا مسافات طويلة ويستقروا في اليمن؟- ويقترح للإجابة على هذا السؤال، أن من المحتمل أن السبئيين كانوا جزءً من حركة (الشعوب) الآمورية، التي كان مركزها بادية الشام، وشكلت امبراطورية (ماري- تل الحريري)، في النصف الأول من الألف الثاني ق. م.

يعود (مرقطن) مجدداً، ويقرر أن (الأصول الكنعانية للخط العربي الجنوبي قد أصبحت واضحة في السنوات الأخيرة)، فقد تم العثور على لوح طيني بالأبجدية الأوغاريتية في موقع عين شمس في ثلاثينيات القرن الماضي واجتهد علماء التوراة في تحليل النقش ووضعوه في اطار ديني، ومن ثم فقد (أثبت) (لوندين) بأن النقش يتضمن الترتيب الأبجدي العربي الجنوبي، كما عثر حديثاً على نقش مشابه في أوغاريت، ما يثبت أن الأبجدية العربية الجنوبية هي إحدى الأبجديات الكنعانية التي وصلت الى اليمن عن طريق الهجرات البشرية.

ولا نعرف كيف لنقشين بالأبجدية الأوغاريتية أن يكونا دليلاً على صحة هذه النظرية؟!

ثم أن (مرقطن) قال في مقدمة بحثه أنه يقدم "محاولة لوضع مخطط أولي لها بالاعتماد على النقوش العربية الجنوبية"، فأين هي هذه النقوش التي أشار إليها فيما يتعلق بنظرية هجرة السبئيين من الشام الى اليمن؟!

الجواب على سؤالنا الأخير سيكون عن طريق ما قام به (مرقطن) من توظيف أيديولوجي للنقش القتباني الجديد الذي عرض له في الجزء الأخير من بحثه، وعندما نقول توظيف أيديولوجي، فإننا نعني خروج الباحث عن جادة الموضوعية العلمية، وانحيازه التام لنظرية من مجموعة نظريات أخرى توازيها وربما تفندها وتطعن في صحتها بالكامل، لم يتطرق إليها، أو يلوِّح ولو بالإشارة الى أي منها..!!

**

(2). اللغة الواصفة:

 استخدم (مرقطن) لغة واصفة جافت لغة العلم، وتنافت مع معايير الدقة العلمية في العرض والطرح والمناقشة والاستدلال والاستخلاص، فوجدناه يستخدم لغة غير دقيقة، اطلق لنفسه العنان في استخدامها حتى خرج بحثه كلية من دائرة الموضوعية العلمية، من خلال الآتي:

1. (التكثير اللامنطقي- الذي لا يتطابق مع واقع الحال)، إذ نجده يقول ويكرر قوله في أكثر من موضع: (الكثير من الباحثين)، (الغالبية من الباحثين)، (الكثير من الشواهد اللغوية المشتركة)؛ في حين أنه بالكاد يذكر اثنين من الباحثين أو يشير الى نقشين..!!

ونحن نتساءل إذن، ما الغاية من استخدام (مرقطن) لعبارات من نوع (الكثير، الغالبية)؟!- لا شيء سوى الإيهام بصحة ما يدعيه.

2. المغالطات الصورية من خلال استخدام تعبيرات ايحائية، مثل استخدامه وتكراره أحياناً لعبارات وجمل من نوع: (شدد، يشدد، بالذات، قد أصبحت واضحة في السنوات الأخيرة، أثبت لوندين)، هذه التعبيرات تعطي إيحاءات زائفة للقارئ تقضي بثبوت ما يدعيه الباحث على نحو لا مجال لإنكاره، وهذا غير صحيح على الإطلاق.

**

ثبت بالمراجع:

1. مرقطن، محمد (2014). حول العلاقات ما بين بلاد الشام واليمن قبل الإسلام. في كتاب: رائد من رواد الجزيرة العربية، دراسات في آثار ونقوش بلاد الشام والجزيرة العربية، مقدمة تكريما للأستاذ الدكتور معاوية إبراهيم، تحرير: زيدان كفافي، محمد مرقطن. روما، لاسابينز، البعثة إلى فلسطين والأردن. ص ص 97- 114.

2. المخلافي، عارف (2019). الموطن الأول للسبئيين- دراسة تاريخية نقدية في ضوء الكشوف الأثرية الحديثة والنصوص، مجلة الآداب، جامعة ذمار- اليمن. العدد (13). ص ص7-55