الرئيسية - أدب وثقافة - أشهر ملكة حكمت «سوريا» تثير الأشجان بالحديث عن ذكرياتها

أشهر ملكة حكمت «سوريا» تثير الأشجان بالحديث عن ذكرياتها

الساعة 11:42 مساءً (يمن دايركت- خاص )

من ذكريات ملكة تدمر ومدوناتها ( ترجمة الى اللغة العربية الفصحى )

تقول زنـــوبيـــا:

118

(وكثيراً ما رافقته (والدها) في ذهابه إلى المرعى، حيث يتم الجمع والحشد قبل الرحيل إلى فولوجيزياد، ورأيت النوق معقودة الفكـّـين بالحبال، ولعابها الدبق يسيل من مشافرها، وتهش بمشافرها الذباب الذي يطن على أسنانها الصفراء. وكانت الجمال تدور بشكل دائري مصدرة الصرخات. أجفلتني.. 

 

 

وكان والدي يتفحصها، ويتحقق من حالتها الصحية، ويتحسس عراقيبها ما بين الساق والوظيف بإصبع دقيقة، ويتأكد من استدارة حدبات السنام، ويتأمل العظام مبعداً ما بدا له أن به عرجاً، ويشير بسوطه إلى الجروح النازفة في الحارك ما بين العنق والصهوة، فيستدعي الحارس المذنب لإهماله ليقوم بصفعه على وجهه بحركة عنيفة كثيراً ما فتنتني. لقد كان رئيساً بحق..

 

 

وكان يحدث في بعض الأحيان أن تمنعنا الريح الصرصر والزوابع من العودة إلى تدمر، فنضطر إلى تمديد مدة إقامتنا عند البدو. والضيافة المقدمة لنا لا تقارن بالبذخ وإسراف مائدتنا في تدمر. وهكذا يبدو كرمهم متواضعاً جداً بالنسبة لما نحن فيه في منازلنا. وهنا علينا أن نسرّ من الحليب المخثــّر المقدم لنا، والزبدة الدسمة، وعجينة الشعير، وفي بعض الأحيان من غزال مشوي فوق الجمر حتى لحظة إمكاننا انتزاع قطع من جلده الذهبي المتقلص والمعفر بالرمال الذي (يقرقش) تحت الأسنان..

 

 

وعند مجيء الليل يحتضن أحدنا الآخر ملتحفين بأردية محاكة من وبر الجمال، ونخلد إلى النوم تحت سقف الخيمة السوداء الكبيرة التي تهزها الريح دون كلل ودون أن تتمكن من طرد الروائح الحامضية التي لقحها الصوف. وفي اليوم التالي صحوت عند الفجر على أصوات الحيوانات، فخرجنا إلى الخلاء والهواء الطلق، وحملوا لنا الحليب المستخلص من بعض التمور القاسية وكأنها الحجر. وتقبل والدي ولاءهم بنفس متعالية، ولقد فكرت أحياناً بأنه يكتم سعادة سرية عندما يبلل شفتيه بلعابه الرطن النتن. الماء كان نادراً، لهذا كان سرورنا بالغاً عند قيامنا بالاغتسال صباحاً. وجاءت بعد ذلك العائلة بأكملها لتوديعنا. فبعضهم بدت عليه المذلة المصطنعة، أما الآخرون فبدا عليّ من الصعب تحديد مظهرهم، فهل كانت تحيتهم ووداعهم لنا فيه استخفاف أم غطرسة وكبرياء؟ وبعد إتمام الفحص في الليلة السابقة اتخذت الجمال طريقها نحو تدمر لكي تلتحق ببقية أعداد منها تعد بالمئات كانت قد استؤجرت من بقية القبائل البدوية، وبقي الآن الاهتمام بانتقاء بعض الرجال المنتخبين من قبل الشيخ لتأمين سلامة القافلة... وكان على كل تاجر مساهم أن يقدم خمسين رجلاً من رماة النبال، وكان فخاره وشرفه يمليان عليه انتقاء الأفضل منهم. فكان والدي يتفحص المتقدمين إليه بعينين من نــار، ويمتحنهم برمي النبال على مرأى منه، وبالتصويب أولاًعلى ثعالب الصحراء العجوز التي يستخدمها لهذه الغاية، ولا ينتخب الشباب منهم إلا بعد التحقق بعناية تامة منهم، مع الأخذ بعين الاعتبار انتقاء الرماة من كل العائلات حتى لا يتكاتف البعض منهم ضده. وفي خلال إحدى هذه الرحلات اضطربت للمرة الأولى في حياتي لدى التقائي برجل.

 

 

كان عمري آنذاك اثنتي عشرة سنة وكان والدي يرفض أن يعهد بي إلى إحدى أخواته منذ أن نصحته إحداهن بوجوب صباغة شعري بالحناء وكذلك راحتي يدي وقدمي ولهذا فقد حضرت عملية اختيار النبالة. وعندما حضر زبّاي للمثول أمام والدي فقد تذكره والدي عندما اصطحبه معه على طريق فولوجيزياد فأشار له بعلامة الصداقة. كان يرتدي سروالاً قصيراً من الصوف البني اللون المحزم على مقاسه، وواقية للساق على الطريقة الفارسية، وكان يعتمر قبعة مدببة برقة في الرأس، بينما كان حبل قوسه يشد صدره، وخنجران يتدليان من حزامه المسماري المطعم بدبابيس غليظة. وزباي هو ابن العمة الكبرى في العائلة ومرافق متطوع للقوافل لأن هذا النوع من العمل يقدم له متعة المخاطرة في مجابهة عصابات الصحراء الممتهنة للسلب والنهب. وهو لم يوافق أبداً على الانخراط في صفوف الكتائب الرومانية في فترة كان فيها بإمكان أي طامح لارتداء اللباس الأرجواني الإمبراطوري أن يناله منذ أن ارتداه واحد من ابنائنا واعتلى فيه عرش الإمبراطورية الرومانية، وهو (فيليب العربي)، ولكن زباي لم يولد لأعمال السخرة، ولا للانصياع للشروط العسكرية. وعندما رأيته يمتطي صهوة جواده السوري السريع، الذي شب عن الأرض بضغطة بسيطة من ركبتي فارسه، فوتر قوسه فجأة، وأطلق نبلته التي لم تخطئ أبداً في الانغراس بوتد التمرين. وبوصوله إلى نهاية حرفته قام بعمل نصف دائرة، ثم عدا نحوها، وأطلق نبلة أخرى بذات الدقة والتصميم، ثم عاد فاختفى تحت بطن جواده وكأنه أصيب في مقتله من قبل أعدائه، ولم يعد إلى وضعيته الصحيحة إلا وقد رشق نبلته الثالثة التي انطلقت تصفر في الهواء لتستقر في بطن الوتد مهتزة بجانب شقيقتيها الاثنتين. وهكذا فهمت بشكل أفضل أنه خلق للقتال وخوض غمار الحروب، وللقتال الفردي، ولم يخلق للمعسكرات، أولخوض غمار قتال ليوم واحد فقط كأولئك الذين يمضون حياتهم في الحديث عنه، أوكالعسكريين الذين ينسجون وجودهم بالثرثرة والاستعراض، وحيث يكونون هم الوحيدين الذين يحملونها على محمل الجد والرصانة.

 

 

وهكذا، ففي سن الثانية عشرة خمنت كل ذلك الذي سيتأكد منذ ذلك الحدث. لقد انطبعت في مقلتي صورة لشاب بقوسه الذي لا يخطئ، ذي وجه ضيق، ولوحت الشمس بشرته، ومؤطر بلحية سوداء دقيقة. فارس أملس البطن، إنه العربي الحقيقي، نحيل القوام، بيدين حاذقتين سريعتين، جيدتين للعب كما هما أداتان ممتازتان للقتل. وزباي لم يعر نظراتي المبهورة أي انتباه، والتي كانت تتوسل إليه لاختطافي على جواده وحملي إلى أبعد مكان في الوجود ليعتصرني بقوة إلى صدره. فمن هي الفتاة التي لا تحلم بالتعرف على هذه المعجزة ؟؟)