الرئيسية - أدب وثقافة - جذور المآسي.. شعر/ فيصل البريهي

جذور المآسي.. شعر/ فيصل البريهي

الساعة 11:18 مساءً (يمن دايركت- خاص)


لصـنعــاء مـا أوحــت إلى نفـســـهـا صنعــــا 
ســـواءً أســـاءت فيـه أو أحسـَــنت صُنــعـــا 

لصنـعـاء مــا ألقـت من السـحـــر وحـــدها  
على نفسهـا قد يبعثُ الدهشـة الروعى

جــذور المـآســي في حشـــــاهــا تـفـتَّـقـت 
فَســقـَّت بِــرَيّــــا قلبهـا الجــذرَ والفـــرعـــا 

نَمـا مِلءَ عيــنـيـهـا سكـــــونٌ مُسـَــــــهـَّدٌ
ورملٌ مِن الأحزانِ يسـتــمـطـرُالدمعا

وليـــلٌ دُخاـــنيُّ المــلــامحِ يرتدي 
جلـــابيبَ غيمٍ يحتسي البرقَ واللمعـا

وفي كلِّ أُفقٍ منهُ تسري سحــــــابةٌ
شتـــائيّـــَةٌ والجدبُ في إثرها يسعـــى

تُصلــِّي فيــغنيـها التـــَيـَمـــّـُمُ بالحصى
عن المــاء إن لم تلـقَ عيناً ولا نبـــعـا

لهـا كلَّ يومٍ قِــــــبلـةٌ  نرجســـيــةٌ
تُـجيزُ "لنهدَيهــا" بها القصرَ والجَــمعا

تحـــــجُّ إليـــــهــا مرــــــَّةً كلَّ ليــــــلةٍ
وتسعــى ثلــاثاً أو تطـوـــفُ بهـــا تِسـعـــــا

على أيِّ دِينٍ هذه؟!!: كلُّ مَذهبٍ
تَزَوَّجها كرهاً وطلَّقها طوعا 

فقد حملت مليونَ طفلٍ وأرضعَت 
ولم تشتكِ الإرهاقَ حَملاً ولا وضعا 

هي ابنةُ مَن لم تحرقِ الشمسُ ليلَهُ 
وقد ذَوَّبَت في قلبِهِ الزيتَ والشمعا 

رمَتهُ بها الأقدارُ يوماً ولم تزل 
مُداهِمةً لا يستطيعُ لها دفعا 

ثمودٌ وعادٌ والأخاديدُ لم تزل 
مُخلِّفةً عن ريحِهم جُثثَ الصرعى 

وما زالَ في شرقِ البلادِ وغربِها 
لهُم مِن بقايا ، والجنوبِ وما أوعى 

و(للأسوَدِ الصَّعديِّ) ما في الشمالِ مِن 
بقيَّةِ مَن في الأمسِ كانوا لهُ تِبعا 

أما زالَ وسعِ الخُرافاتِ أن ترى 
جِزافاً بعينِ الحالِ أنَّ لها وُسعا؟!!!

لقد ضاقتِ الأحوالُ واتسعَ المدى 
بعيني كما يبدو أمامَ الذي يُدعى 

إماماً سرابيّاً كما تحلُمُ المنى 
إذا لم يُعِرها منهُ مرءىً ولا سمعا 

كمَن أرضعَتهُ الأمنياتُ بحضنِها 
حليبَ المنايا مُستدِرّاً بها الضرعا 

فأسقتهُ أثداءُ المراراتِ علقماً 
وقيحاً ، ولم يستمرئِ المضغَ والبلعا 

تَعَوَّدَ مضغَ السُّمِّ حتّى استصاغَهُ 
فأصبحَ زرعُ السُّمِّ في نفسهِ طبعا 

غدا حيَّةً رقطا تبثُّ سمومَها 
وتُنجبُ حيَّاتٍ على شكلِها قطعا 

سَرَت في شرايينِ الحياةِ وعشعَشت 
على كلِّ عضوٍ ، تُحكِمُ النهشَ واللذعا 

مُسَمِّمَةً قلباً رعاها ، وهكذا 
جزاءُ الذي في صدرِهِ يحضن الأفعى 

                                   *    *     *

أتدرينَ يا أُمَّ الذينَ تَبَوَّأوا 
عروشَ المزايا، ما الذي هاهُنا يُنعى؟!!

هُنا مأتمُ الأخلاقِ يبدو مُشَيِّعاً 
مكارمَ مَن كانوا لهُ الأخذَ والمنعا 

يكادُ الضُّحى المقتولُ في عُقرِ دارِهِ 
يُحاكي الليالي عن جرائمِهِ الشنعا 

على أرضِ مَن أضحت ضحيَّةَ هُدهُدٍ 
ولم تستطع صَدّاً لَهُ بل ولا ردعا 

أحاطت بها الأقدارُ (عرشاً -ومعبداً) 
وقامت بنزعِ المُلكِ مِن كفِّها نزعا 

وعن كلِّ ذي بأسٍ شديدٍ وقُوَّةٍ 
حَكى كلُّ سوقٍ : أتبَعوا البيعةَ البيعا 

فظلَّت على (بابِ الفَلَجِّ) (عَبِيدَةٌ)
تَصُدُّ (مُراداً) عن ولوجٍ إلى (النقعا)

ولم تدرِ أنَّ (العينَ) أضحت مدينةً 
ترى وجهَ (صُرواحٍ) وترنوا إلى (مَلعا)

وحيناً تُوَلِّي شطرَ (دَمُّون) وجهَها 
كَسَائمةٍ بحثاً عن الماءِ والمرعى 

تُحدِّقُ ألحاظاً فيَرتَدّ طرفُها 
حَسيراً فلا ضُرّاً أتاهُ ولا نفعا 

وتُصغي (لأطلالِ امرئ القيسِ) عَلَّها 
تَحسُّ لنبضِ الحرفِ في صمتِهِ وقعا 

وتَستَفسِرُ الأحقاف!!! كم ضمَّها المدى؟
وكم عَدَّها وتراً؟ وكم عَدَّها شفعا؟

وكم ليلةٍ للقدرِ حجَّت سماءها 
وطافت مع الأحلامِ في رحلةٍ مُتعى؟ 

فكم عاقَرَت رؤيا عزيزٍ فأعجفَت 
قُروناً مئاتٍ بعد أن أسمنت سبعا 

فقد ضاقَ ذرعاً بالزمانِ المكانُ بل 
وظرفاهُما هذا يضيقُ بذا ذرعا 

كتَصعِيرِ مفقودِ الرجولةِ  خَدَّهُ 
وما مُستَحِقاً غيرُهُ اللكمَ والصفعا 

سِوى وجهِ أستاذٍ غبيٍّ وشاعرٍ 
يُجيزانِ جرَّ الأمرِ والنصبَ والرفعا 

ومَن لم يكُن للمجدِ أهلاً يعِش ولم 
تحسَّ لَهُ الدنيا أنيناً ولا سجعا 

ومَن يفقدِ الإحساسَ لم يتَّخذ لَهُ 
سِوى عِرضِهِ مِ كلِّ طائشةٍ درعا 

وما الناسُ إلّا بينَ حقٍّ وباطلٍ 
كما تقتضي الأحكامُ في حقِّهِم شرعا